أفاقت إيما وهي تأمل أن يكون كل ما مرت به قبل نومها هو أضغاث أحلام ولكن صدمتها كانت فى استمرار الظلمة البكر،لا تعرف نهارا"من ليل ولا تستطيع تمييز كم لبثت فى نومها العميق النابع من إنهيار قوتها النفسية والبدنية بعد ما مرت به ولكن أسقط فى يدها وهى عاجزة عن إيجاد الحلول فكرت وهي تحدث نفسها بصوت عال:
-من أنا حقا"وهل ما أمر به هو حقيقة؟وإن كانت حقيقة لم أنا هنا و أين هنا هذا؟هل من أتذكر وجهها و انها امى هي حقا" امى ولم لا أتذكر اى شخص سواها؟لم كل هذا ال**ت المطبق من حولى؟
تحسست ملابسها بيدها لتجد انها لا تتعرف على ملمس ما ترتدي و انها ترتدى ما يشبه البدله الكامله فلا شيء مكشوف من جسدها الا كفوف يديها ووجهها ب*عرها و الذى لاحظت انه مرتب و مربوط على شكل ذ*ل حصان طويل يصل الى أسفل خصرها وهو ما أثار استغرابها ودهشتها لانها لطالما تمنت ان يكون هكذا ولكن بحكم أضطراب مشاعرها المستمر كانت تقصه بأستمرار و لم يصل ابدا فى الطول لأقصى من كتفيها ولم يكن أبدا بهذا الملمس الرائع الذي يشي بالحيوية و الصحة قالت وهي تشعر الحسرة
-غريبة بس أكيد مش اغرب حاجه بتحصل ليا من أول ما فتحت عيونى فى المكان ده
نهضت فى محاولة جديدة لاستكشاف المكان حولها لتجد أنه لم يتغير عن ما استنتجته من محاولاتها السابقة في شيء مما أفضى بها الى اليأس التام و انتابتها نوبة من الصراخ الحاد أفرغت فيها مكنون ص*رها من الخوف والغيظ المتكون من عدم فهمها وعلى غفلة تفاجأت ببصيص من النور يظهر من العدم شلت ل**نها المفاجأة عن الصراخ حتى أنها سقطت على قدميها أرضا وهي تتابع الضوء الداخل من بين شق فى الحائط و كأنه باب يفتح ،زاد الضوء الذي أجبرها على اغلاق عينيها التي آلمتها منه نظرا"للظلام الدامس الذي أحاط بها من منذ فترة لا تعرف عدد أيامها و لا حتى الساعات فيها،سمعت صوت أحدهم وهو يقول في نبرة بدت للوهلة الأولى وكأنها لا تص*ر عن بشري
-لازم تاكلى حاجة علشان تقدري تكملي الرحلة
تزامنت الكلمات صوت معدني لصينية توضع على سطح صلب بجانبها ،فتحت عينيها لتجد الظلام مرة أخرى يحيط بها عندها لم تتمالك نفسها وأخذت في الصراخ مرة أخرى وهي تدق على الحائط الذي نبت منه شق الضوء منذ قليل وعندما كلت يدها من الدق و بح صوتها من الصراخ عادت للفراش وهي تتحسس الطريق حتى وجدته وما ان وجدته ألقت بجسده المنهك فوقه و هي تنشج و تهمهم
ايه اللى انا فيه ده بس ياربى انا عملت ايه علشان يحصل فيا كده بس
طرقت عقلها ومضات سريعة من المشاهد رأت فيها وجوه كثيرة لم تعرف من هم وعندها اعتدلت على فراشها فى سرعة وهى تحاول استعادة تلك المشاهد و الوجوه علها تذكر أي شي
*****
قال الطبيب وهو ينظر لـع**ت فى تساؤل
-هو أستاذ ع**ت ماقالش لحضرتك ولا ايه؟
تلجلج ع**ت و هو يبادل شاهي نظراتها ثم قال
-لا يا دكتور شاهي لسه متعرفش حاجه مكنش فى وقت أقول لها خصوصاً مع حالة إيما
ردت شاهي
-هو في ايه يا ع**ت انتوا بتتكلموا عن ايه ومين المرحومة دى ؟
رد ع**ت بعد أن أخذ نفس طويل
-ريماس يا شاهي،المرحومة ريماس
لم تتمالك شاهي اعصابها ولم تستطيع أستوعب تلك الصدمة الجديدة وسقطت ماشي عليها ويتلقاها ع**ت بين يديه وسط نظرات لوم وجهها الى الطبيب الذى أدرك خطأ ما فعل ولكن بعد فوات الأوان.
*****
رن هاتف أحمد بإصرار وأجبره ذلك على النهوض من فراشه الدافئ ليجيب
-الو
اتاه صوت المتصل وهو يقول
-أحمد صحيتك من النوم معلش بس كان لازم أكلمك
رد أحمد وهو يعتدل فى لهفة
-كريم معلش ولا يهمك بس قولى مالك،احنا الساعه كام دلوقتى أصلا
رد كريم وهو صديق أحمد منذ نعومة أظافرهم و لكن أعتاد أحمد أن كريم من الأشخاص التي تلتزم جدا بمواعيد الأتصال أو الحضور وهو ما جعله يتأكد أن وراء اتصال كريم خطب جلل
-الساعة تلاتة الفجر يا أحمد بس والله انا لسه عارف حالا و كأن لازم اتصال بيك قبل ما اتحرك علشان نروح سوا،بص مش هطول عليك لكن خطيبتك إيما عملت حادثه كبيرة مع عربيتين كمان واحده بتاعت سامر الششتاوي و التانية بتاعت ريماس و كل اللى أعرفه أن كلهم مصابين و فى المستشفى ولازم نتحرك حالا لهناك لأن حاله إيما و حالة ريماس وحشه
سمع أحمد كلمات كريم فى **ت تام وهو يحاول يستوعب ما يقول كريم ولو لم يكن أحمد يعلم جيدا أن كريم ليس من الشخصيات التي يمكن أن تتصرف بعدم مسؤولية و تدبر المقالب من باب السخرية أو الضحك لقال أن ما يقول كريم الأن هو محاولة منه لذلك ولكن نبرة صوت كريم و ما يعرف أحمد عنه جعلته يقول له وهو يحاول السيطرة على أعصابه
-كريم انت بتتكلم بجد صح؟
رد كريم
-كان نفسى اقولك انى بهزر لكن للأسف يا أحمد أنا بتكلم بجد
رد أحمد وهو ينهض و يرتدى ملابسه فى سرعة
-مستشفى ايه،اقولك انا هعدى عليك و نروح مع بعض و افهم منك فى الطريق ايه اللى حصل عشر دقايق ربع ساعة بالكتير وتكون تحت البيت
ثم ضغط زمانها الأتصال بون كلمة اخري وأكمل ارتداء ملابسه وهو يكاد لا يرى ما يفعل وانطلق عابرا باب المنزل.
******
مدام شاهي..مدام شاهي
قالها الطبيب الواقف بجانب فراش المستشفى المستلقية عليه والدة إيما وهو يحاول إفاقتها من الإغماء التي تعرضت له ثم أردف وهو يوجه كلامه لع**ت زوجها
-انا اسف فعلا يا استاذ ع**ت انا مكنتش متخيل أن مدام شاهي متعرفش ولما فهمت ده كان فات الأوان انى اسكت،عموما مدام شاهي كويسة هى بس الصدمة واضح كدة انها كانت بتحب ريماس جدا و ان الموضوع ده كمل على اعصابها،أنا بكرر اعتذاري
ردع**ت
-حصل خير يا دكتور ولو انى مكنتش عايزها تعرف حاجة دلوقتى خصوصا مع حالة إيما اللى مش عارفين لها سبب وطبيعي جدا إن اعصابها مكنتش هتتحمل اكتر من كده وكويس انها عرفت واحنا هنا ريماس الله يرحمها ويحسن إليها كانت بالنسبة لشاهي زى إيما بالظبط،كانت بتعاملها زى بنتها ويمكن أكتر كمان
ثم **ت ليستر أنفاسه من بين دموعه وأكمل قائلاً:البنت كانت جميلة و مرحة و مكان ما بتكون بتملى الدنيا حواليها ضحك الله يرحمها كانت كلها طاقة إيجابية و الله لولا أنى خايف ان كلامى يعتبر اعتراض على مشيئة الله كنت هقول ليه واحدة زيها تموت بدرى كده
رد الطبيب
-لا إله إلا الله،لكل أجل كتاب يا أستاذ ع**ت و ده وقتها ومعادها،البنت لما جت لنا كانت متوفية اصلا وده من رحمة ربنا بيها و بأهلها لأن إصاباتها كانت شديدة جدا وأعتقد ان البنت لو عاشت كانت هتتمنى الموت كل لحظة خصوصا مع التش*هات اللى كانت هتبقا ماليه وشها وجسمها وان الحبل الشوكى كمان كان مقطوع بمعنى انها كانت هتعيش مشلولة الباقي من عمرها،الله يرحمها و مفيش فى أيدنا حاجة نعملها لها دلوقتى غير إننا نطلب لها المغفرة
نظر ع**ت لزوجته التي بدأت تتململ فى الفراش وطلب من الطبيب بالإشارة أن يكملوا كلامهم بالخارج خشية أن تسمعهم زوجته عندما تستعيد وعيها
أشار الطبيب بالفهم والإيجاب و سبق ع**ت خارجاً من الغرفة عندها التفت ع**ت ومال يقبل جبين زوجته فى حب حقيقي هو يشعر بالندم الشديد على ما فات من أيام لم يكن فيها بجانبها وبجانب ابنته،تذكر كل مناقشتها معه واغمض عيناه فى الم عندما تخيل فقد واحدة منهن،شعر بالخوف والمرارة عندما تخيل أن إيما كان يمكن أن تكون ريماس وان يفقدها للأبد لم يتحمل الفكرة و طلب من الله أن يحفظ له أسرته واستعاذ بالله من الشيطان وهو ينهض ليلحق بالطبيب خارجاً
*****
مرت الدقائق على أحمد طويلة وهو يقطع الطرق فى سرعة و لكن بحرص شديد،هو شخص لم يعتاد أن ب**ر قواعد المرور لأى سبب ولكن هاهو القدر يضعه اليوم فى موقف لا يحسد عليها ويجبره على السرعة،كان يقود سيارته بعقل مبرمج تماما وعينان تكاد لا ترى الطريق حتى أنه هز رأسه أكثر من مرة فى محاولة منه لطرد كل الأفكار السيئة التي هاجمت مخيلته بلا هوادة،مرت الدقائق طويلة إلى أن وصل أخيراً إلى وجهته ورأي صديق عمره يقف في انتظاره وما أن رآه كريم حتى دلف فى سرعة داخل السيارة وبلا اى كلمة ترحيب قال له عنوان المستشفى وانطلق أحمد فى اتجاهها،عم ال**ت بينهم حتى قطعه أحمد بالقول:
-ممكن تفهمني ايه اللى حصل ده حصل ازاى وانت عرفت من مين وامتى؟
رد كريم
-اللى حصل ده حصل النهارده الصبح بدرى بس الساعه كام انا لسه مش عارف وحصل ازاى اللى فهمته ان كان فى حفلة راس السنه و إيما وريماس كانوا موجودين فيها وخلصت بعد الفجر أو تقريبا أول ما النهار طلع و الحادثة كانت على طريقهم فى الرجوع و طبعا إيما كانت فى عربيتها و ريماس هي كمان فى عربيتها وانا عرفت من الأخبار على الفيس وأول ما عرفت كلمتك على طول لأني توقعت انك لو عرفت كنت على الأقل هتكلم أو هتكون فى المستشفى و لما كلمتك ولقيت صوتك نايم قولت يبقا اكيد انت معندكش خبر لسه
أستمع أحمد لكلمات كريم ثم قال فى غضب
-يعنى راحت الحفلة علي الرغم من اننا متخانقين من شهر وتقريبا سايببن بعض و هى ولا على بالها اصلا،طبعا ما هو أنا كنت فترة وخلصت وأدى النتيجه اهو
رد كريم وهو يحاول تهدئة ثورة غضب صديقة خاصة وهو يعلم جيدا مقدار حب أحمد ل إيما وإن ما يقول صديقة نابع من خوف عليها وأنه ليس بغضب بل هو خوف مكتوم
-أحمد ده مش وقت مناسب للزعل،الأول بس نطمن عليهم و بعد كدة لما تقوم بالسلامة تبقى تعاتب و تزعل وتتخانق كمان لو عايز مش كده ولا انت شايف حاجة تانية؟
نظر له أحمد ثم تابع القيادة فى **ت إلى أن ظهرت المستشفى على مرمى البصر و اسرع أحمد بالوصول لبوابتها وساعده على ذلك خلو الطريق من المارة والسيارات ثم صف سيارته وركض الصديقان لمكتب الاستقبال في سرعة و ما أن وصلا إليه حتى قال أحمد لموظف الإستقبال فى لهفة لم يستطيع إخفاؤها
-غرفة إيما ع**ت جت لكم النهاردة الصبح فى حادثة عربية من فضلك
رد موظف الإستقبال على أحمد برقم الغرفة والدور وهو يشير له على مكان المصعد وتوجه الصديقان له، سمع كريم أحمد يدعو بصوت خافت فما كان منه إلا أن أمن على دعاء صديقه
******
لم تسفر محاولات إيما المستميته فى التذكر عن اى شىء إلا المزيد من علامات الاستفهام المقترنة بالمزيد من الوجوه وفى أثناء ذلك انفتح الشق من جديد بهدوء شديد،تابعت إيما الشق وهى تتألم ولكنها كانت قد اتخذت القرار أن لا تكرر غلطتها السابقة مرة أخرى وأن تتحمل الألم و تجبر نفسها على فتح عينيها،اتسع الشق حتى أصبح بمساحة تسمح بدخول شخص بالغ وعندها رأت إيما ظل فتاة فارعة الطول متناسقة الجسد ولكنها لم تستطع تمييز أي من الملامح حتى دخلت عليها الفتاة و تحول النور للإنبثاق من وجهها و خفت النور القادم من خلفها فى مشهد ساحر
فتحت إيما فمها فى دهشة و هى تشاهد ما يحدث أمامها وتحاول التصديق وإن الفتاة حقيقية،مدت يدها تحاول لمسها وحينها بادلتها الفتاة بالفعل نفسه ولمست يد كل منهما الأخرى لتشعر إيما بما يشبه الصاعقة الكهربائية و انتقلت بكامل وعيها لمكان آخر وجدت فله نفسها تقف فى وسط حديقة جميلة لفيلا و أمامها تفف فتاتين فى عمر العاشرة تقريباً تلهوان في محبة وتألف و عند التدقيق استشعرت إيما أن تلك الواقفة أمامها هي نفسها ولكن فى عمر صغير مما جعلها تنظر للفتاة بجانبها و تقول لها و هي تتأمل ملامحها الجميلة الهادئة :
-انتى مين؟