قالت إيما:
-طيب احكى يلا
ردت ريماس و هي تنهض لتتمطى وتفرد اقدامها:
-أنتى متعبتيش يا بنتي
قالت إيما و هي تسترخي على المقعد المقابل لجانب الفراش:
-لا الحقيقة متعبتك وبعدين ما هو مفيش تسلية تانيه غير حكاياتك و المراية و السفر عبر الزمن اللى بنسافره ده،يبقي احكى بقا
**تت ريماس قليلاً وهي تفكر ثم نظرت الى باستيت وقالت:
-باستيت ايه رأيك نروح زيارة لأهلك وبيتك؟
نظرت لها إيما في عدم فهم،و قامت باستيت و هى تموء و تحرك ذ*لها يميناً و يساراً فى سعادة ثم قفزت من الفراش و اتجهت نحو المرآة تحاول اختراقها و عندما فشلت نظرت لريماس نظرة توسل
ضحكت ريماس و قالت لها وهى تمسح على فرائها:
-حاضر يا سيتى هنروح
قالت إيما:
هنروح فين يا ريمي؟
قالت ريماس:
هنروح بيت باستيت ونزور جدودنا انا و أنتي ،اهى دى بقا رحلة أوعدك عمرك ما هتنسيها ابدا
قالت إيما:
-جدودنا؟
جذبتها ريماس من يدهاوقالت أيوة ويلا بقا علشان دى رحلة مفيش زيها تانى ابدا
قامت إيما و اتجهت نحو المرآة و أنتظرت بجانب ريماس التى حملت باستيت ووقفت فى وضع الأستعداد للعبور
******
قال كريم و هو ينظر لدكتور شوقي بإشمئزاز:
-هتقعد هنا قد ايه الحقيقة مش متأكد من الوقت بالظبط لكن انت هتقعد لحد ما القضية تخلص و يتحكم فيها بالعدل و بعد كده يجي دورك ،و عايز رأيي،أنا عملت فيك معروف أنى جبتك هنا و الا كان زمانك حاجة من أتنين يا ميت يا مرمي فى اى حفرة فى الصحراء لحد برضوا ما تموت ،ما أنت عارف بقى حليفك الششتاوي مبيهزرش
قال الدكتور شوقي وصوته يرتعش من مجرد ذكر أسم الششتاوي أمامه:
-أيوه أنا هنا لكن مراتى هناك و مش هيكون صعب عليه أنه يوصل لها علشان يضغط عليا أظهر و طبعا هيكون فاكر أنى مختفي بمزاجي
ثم شهق بقوة وهو يتخيل زوجته مقتولة ببشاعة
إبتسم كريم بنهكم وقال له :
-ياة للدرجة دى بتحبها وخايف عليها تتقتليا حرام ،أومال سارة السكرتيرة الخاصة بتاعتك دى علاقتك بيها ايه!
قال شوقي و هو مش من معرفة كريم لأدق تفاصيل حياته و علاقته السريه بسارة:
-انت عرفت منين كل الكلام ده ،أنت مراقبنى من زمان على كده
ثم ضيق عينيه وقال:
-ولا ده محمود اللى عرفك كل الحكايات دى؟
قال كريم و هو يدس بعض الطعام في فم الدكتور شوقي:
دكتور محمود! لا طبعا تفكيرك طلع مش صح المرة دى يا دكتور شوقي
أبتلع الدكتور شوقي الطعام بصعوبه و قال:
-أومال ازاى عرفت كل ده و ازاى جبت الأوراق والملفات اللى بعتها لشريكي علشان تخليه يخاف و يسكت؟
دس كريم المزيد من اللقيمات فى فم دكتور شوقي وقال:
-أنت مستعجل ليه على أنك تعرف؟ هو يعني حتى لو عرفت ده هيفيدك بأيه وانت هنا
قال الدكتور شوقي وهو يشعر باليأس:
-تصدق معاك حق فى كل كلمة بتقولها،أنا حياتي كلها أدمرت خلاص
قالك كريم بصوت خفيض حتي لا يسمعه الدكتور شوقي:
-ولسه هو أنت شوفت حاجه
******
أنتظرت شاهي بجانب إبنتها و ذهب ع**ت للمنزل ليحضر لها ما تحتاج إليه،جلست بجانب إيما على طرف فراشها اخذت تحدثها و تحكي لها مواقف من طفولتها وهي تنتظر منها أن تقوم بإي فعل ليطمئن قلبها على تحسن حالة وحيدتها ولكن ظلت إيما على وضعها الهادئ الصامت،بكت شاهي و هي ترجو الله أن يشفي صغيرتها وتضرعت إليه بالرجاء ،بكت حتى غفت كالعادة بجانبها وهى مازالت تقبض بيدها على يدي إبنتها فى خوف هيستري من الفقد
******
دخل إيمن والد ريماس إلى الفيلا المقيمة بها والدتها وهو يدعو الله أن يجدها ،كان يشعر برغبة ملحة فى طلب الغفران منها على مافعل وتسبب به من قبل ،كانت رأسه تعج بالكلمات و الأفكار و كان الندم يعتصر قلبه بلا هوادة ،قطع البهو و صوت حذائه يتردد فى جنبات الفيلا الفارغه من البشر ،شعر لوهلة باليأس من وجود والدة ريماس ،ساوره التفكير فى الصعود الى غرفة إبنته الفقيدة و تحركت أقدامه تجاة الغرفة بلا وعي منه حتى وجد نفسه يقف أمام بابها المغلق،أدار المقبض و دموعه تسقط بغزارة وصوت إبنته يتردد فى عقله، لفت نظرة تكوم شخص ما فى فراش ابنته ،هرول الى النائم ورفع الغطاء وقد تشوش عقله ولوهلة قصيرة تصور إنها أبنته
******
عبرت الفتاتان المرآة للناحية الأخري وما وطئت أقدامهم الأرض حتي تغيرت ملابسهم وأكتست أجسادهم بالحلي الذهبي،نظرت إيما بدهشة لملابس وملابس ريماس وهى تكاد تقفز من الفرحة بما ترى و تلمس وترتدي ،كانت كل منهما ترتدى زى من الكتان الأبيض الطويل و عل خصرهم أحزمة عريضه من الجلد الأ**د المدبوغ باللون الأ**د ومظرز بالكامل بالحلى الذهبية و الأحجار الكريمة و على صدورهم تتدلى الحلي الذهبيه المصنوع بإتقان شديد ،نظرت إيما نحو ريماس وجدتها تضع شعر مستعار طويل تم تصفيفه فى جدائل رفيعة طويله و تم تزين تلك الجدائل بالحلى الذهبيه و الأحجار الكريمة ،ونظرت الى أقدامهم لتجد أنهم ينتعلان مايشبه الحذاء المفتوح مصنوع من الجلود القوية
قالت وهي تضحك و تصقف بيدبها:
-الفراعنة،احنا فى زمن الفراعنة يا ريمي الله بقا،شوفي لبسهم جميل ازاى
قالت ريماس وهي تحاول تهدئة حماس صديقتها:
-ممكن تعقلي شويه ،أحنا هنا من وصيفات و خادمات المعبد و مفيش خادمة معبد مجنونة كده
ثم نظرت فى أتجاة اليمين و أشارت إلى إيما أن تنظر ،نظرت إيما لتجد أسوار عالية ولها بوابات ضخمة مرتفعة يقف أعلى الأسوار رجال فى زى موحد يحملون على ظهورهم جعب السهام و فى أيديهم أقواس مشدودة وعلى أهبة الإستعداد للتصويب
قالت إيما ايه دول ومالهم واقفين ه ليه ،ده تلاقى الشمس قتلتهم من الوقفه دى
قالت ريماس وهي تضحك:
-دول حراس الحدود و لهم نوبات بتتغير كل فترة و ده واجبهم ناحية بلدهم يا إيما
قالت إيما:
الجيش يعنى
قالت ريماس وهي تتقدم نحو البوابات
-ايوه بالظبط كده الجيش
قالت إيما احنا هندخل جوه؟
قالت ريماس:
-طبعا هندخل جوه أحنا من خادمات المعبد و خدي بالك علشان مش لازم يبان عليكى اى توتر من أى نوع ،ونسيت اقولك صحيح اللغة هنا مش هي العربي اللى نعرفه انا وانتي
قالت إيما وهي تحاول اللحاق بصديقتها المسرعة الخطوات:
-وهنفهم ازاى وهما كمان هيفهمونا ازاى؟
قالت لها ريماس:
-متقلقيش انتى هتتكلمى عربي و هما هيسمعوا كلامك باللغه بتاعتهم و الع** بالع**
أطمئن قلب إبما عندما قالت ريماس ما قالت و هدأت نفسها،وقفت ريماس امام البوابه و نادت على حارسها بصوت عال و أمرته بفتحها فى ثقة ،سمعت إيما ماقالت ريماس و تعجبت من حدوث ما قالت لها عليه صديقتها بالضبط، خاصة و انها تعلم انها لغة غريبة و عل الرغم من ذلك هي تفهم كل يقال جيدا
دلفت الفتاتان من الباب و ريماس تحمل باستيت لاحظت إيما أن باستيت هي الأخري ترتدي في رقبتها قلادة من الذهب الخالص مرصعه بالأحجار الكريمة الملونه فى تنسيق بديع،قالت إيما:
- شوفتى يا ريماس باستيت هي كمان لابسه ايه؟
قالت ريماس:
-طبعاًيا إيما ماهي هنا مقدسة ومحبوبه جدا و لها معابد كمان
قالت إيما فى دهشة:
-يعنى الفراعنه بيعبدوا القطط يا ريمي؟
ردت ريماس وهي تضحك:
-حاجة شبه كده
قفزت باستيت من يد ريماس و هبطت على الأرض أمامهم ثم نظرت إليهم و تقدمت الطريق ،قالت ريماس:
-باستيت عايزانا نمشى وراها على فكرة ،واضح كدة أنا قررت تكون المرشدة السياحية بتاعتنا
قالت إيما وهي تنظر لباستيت التى تخطو بثقة على الطريق المعبد بالأحجار المصقولة:
-تفتكري يا ريمي هي عارفة هي رايحة فين؟
قالت ريماس:
-أنا متأكدة أنها عارفة متقلقيش
قالت إيما وهي تتابع خطوات باستيت:
-هو أنا بتخيل ولا باستيت فعلا مشيتها أتغيرت وبقى فيها شموخ كده!
قالت ريماسوهي تضحك:
-لا مش بتتخيلي دى حقيقة،و خليكي جنبى لحد ما نشوف الجولة دى هتبتدي منين
هزت إيما رأسها بالموافقة و تبعت الفتاتان خطوات باستيت،قطعت باستيت الطرقات و خلفها ريماس و إيما،إنبهرت إيما بما ترى من المنازل المصفوفات بجانب بعضها فى تنظيم فريد و من الشوارع المعبده المرصوفه و نظافة الطرقات و تعامل البشر حولهم و الرقي الواضح فى أساليب الحياة، رأت لوحة كاملة من الألوان تداخلت فيها كل الموجودت بإندماج عجيب،رأت مصابيح لأنارة الشوارع و الأزقة تضاء يدوياً عن طريق زيون خاصه وفتايل و لها شخص مختص بها،قالت لريماس:
-دول كانوا بينورا الشوارع بليل يا ريمي و أيه النضافة دى كلها
قالت ريماس:
-طبعاً يا إيما،وكان لكل شخص مسؤليه محددة سواء جوه بيته أو بره،تعرفي أن مصر القديمة أو مصر الفراعنة كانت من أرقي الحضارات فى الوقت اللى كانت فيه معظم بلاد العالم لسه بتسكن الخيام و الأكواخ ومش بس فى المعمار لا كمان فى الزراعة والصناعة،المصريين القدماء قسموا السنة شهور وموسم للزراعة و كانوا حريصين جدا فى الأهتمام بيها و أختراعو الشادوف بتاع الري و كان مخصوص علشان يرفع المايه من المناطق الواطيه عن مستوى الأراضي الزراعيه و عملوا السو**ي وكانت الزراعة من المهام المقدسة عندهم و اهتموا بالح*****ت الداجنه أهتمام خاص كمان ده بقا كان على مستوى المهن،ده غير صناعة الفخار و الأخشاب اللى طلع منها اجمل المصنوعات و ادقها،أما بقا باقي العلوم فالحقيقة هما كانوا من البارين فيها بشكل قوي جدا زى الطب و علوم الفلك
ضحكت ريماس و اردفت:
-تعرفي أن كان فى معتقد غريب جدا عن الفراعنة عند الناس
قالت إيما:
-ايه هو المعتقد ده؟
ردت ريماس:
-هما الحقيقة أكتر من معتقد مش معتقد واحد ،بصي يا سيتى الناس طبعا قبل ما يتعدى أكتشاف المقابر اللى بتحاول على المؤمياوت كانت بتشوف المعابد الضخمة و أرتفاعتها المهوله دى و شافت الهرم الأكبر و ضخامته و علشان كده كانوا متخيلين أن الفراعنه كانوا عمالقه و ان ده كتن حجمهم علشان كده قدروا يبنوا الهرم بضخامته و المعابد دى ،وده كان معتقد مبني على اللى اتشاف وقتها من أثار وجودهم ،لكن بقا لما بداء يتم أكتشاف المقابر و التوابيت و المشغولات الدهب و بعض الأثاث الخشبي المرصع بالعاج و الصدف وأحيان كمان بالدهب و ده فى حالة لو كانت المقبرة لعظيم من عظماء الدوله أو لأحد الحكام أو الملوك ،الناس تفكيرها اتغير و بقى التفكير أن الفراعنة كانوا بارعين ومتمكنين من علوم السحر وعلشان كده قدروا بسهولة ينقل الأحجار بأحجمها الضخمه من مكان لمكان و كمان تترص قوق بعضها بالدقه دى ،وده كان المعتقد التانى
قالت إيما:
-للدرجة دى كانت الناس لسه متعرفش حاجه عنهم نهائي
ردت ريماس:
-ده طبيعي طبعا بسبب أندثار الضارة و أختفاء الباقى منها تحت الرمل،أومال هتعملى إيه لما تعرفي ايه اللى كان بيحصل فى المؤمياوات و وورق البردى قبل ما يبقي فى بعثات أثرية و أكتشافات للمقابر الكامله ،تخيلى أن الناس فى مصر كانت بتستخدم ورق البردي و المومياوات فى توليع الأفران و كان ده ملوش قيمه عندهم
شهقت إيما فى فزع وقالت:
-بيولعوا الأفران بجثث ناس ميتة؟
قالت ريماس وهى تحاول تخفيف وقع الصدمه على إيما :
-فى تصورى الخاص أنهم مكنتش يعرفوا انها جثث خصوصا بسبب طريقة التحويل اللى القدماء كانوا بيتبعوها و كانت سر من أسرارهم اللى لغاية النهاردة محدش قدر يكشفها بالكامل ،المومياء كانت بتتكلم بكذا طبقة من الكتان و بشكل معين و ده طبعا بعد ما بيتم تفريغ الجثه من محتوياتها و أعضائه و تتعالج بشكل خاص و بمواد سرية جدا
قالت إيما:
-لا كده بقا ممكن نقعد هنا شوية و تحكيلي بالتفصيل يعنى أيه؟
قالت ريماسوهي تبتسم:
-لا وليه كده ما تشوفي بنفسك بس في حاله واحدة
قالت إيما:
-حالة ايه؟
ردت ريماس لو قلبك جامد و هتستحملى تشوفي بعيونك المراحل دى كلها من أول الوفاة
ترددت إيما قليلاً ثم قالت و قد عقدت العزم على التنفيذ:
-أه قلبى جامد و هشوف و خصوصا إن كل ده مش حقيقي و دى ناس ماتت فعلا من الالاف السنين،صح يا ريماس
إبتسمت ريماس وهي تري محاولات إيما لبث الشجاعة فى قلبها وقالت :
-طبعاً يا إيما دى ناس ماتت من زمان جدا
قالت إيما وهي تمسك بيد ريماس :
-يبقى يلا نشوف
قالت ريماس :
-باستيت يلا هندخل قاعة التحنيط
قالت إيما بسرعة :
-بس هندخل ازاى وانتى بتقولى ده سر و مش اى حد اكيد يقدر يدخل القاعة دى و احنا اصلا بنتين وقطة يعنى مستحيل
قالت ريماس :
-ونين قال أننا هنكون متشافين اصلا و بعدين هو احنا مش اتفقنا ان هنا مفيش مستحيل؟
قالت إيما وهى تهز رأسها:
صح معاكى حق ،هنا مفيش مستحيل
توجهت الفتاتان تتقدمهم باستيت قاطعين الممرات في طريقهم إلى قاعة التحنيط
******
أتم كريم مهمته مع دكتور شوقي على اكمل وجه ،أنتظر ال أن أتى المنوم بعدها بمفعولة و سقط الدكتور شوقي في النعاس ،لملم ما بقي من الطعام و ترك بجانبه زجاجات المياة و العصير ،ثم القي عليه نظرة أخيرة قبل ان يتجه الى باب الغرفة و يغلقه خلفه و فعل المثل مع باب الشقة و تأكد من أغلاقه جيدا بالمفتاح ،هبط الدرجات العتيقة ببطء وهو ما زال يتذكر الماضي،تذكر كيف كان جده م** على شراء تلك المزرعه البعيدة عن العمار و الخدمات على الرغم من رفض والده و أخواته و مع ت**يم الوالد أذعن اه جميع إبنائه و هو ما أسعد الصغار بعدها خاصة بعد أول زيارة و عندما وجدوا هذا المنزل وسط المزرعة،كان المنزل وقتها قديم البناء ولكن شرع الجد فى محاولة ترميمة و لم يمر وقت طويل حتى أصبح المكان بمثابة المتنفس الوحيد للصغار ،تذكر كيف كان اللون الأخضر يحيط بجميع جوانب المنزل و كيف كانت الليلي التى يقضيها هنا مميزة له جدا ،وقف أمام البوابه الحديدية ونظر أمامه الى سيارته الواقفة وحيده تماما وسط الفضاء ،عادت به الذاكرة الى يوم وفاة الجدة و الزيارة الأخيرة لذلك المنزل ،خرج من البوابه الحديدية ووقف قليلا قبل أن يستقل سيارته و ينطلق بها مبتعدا وسط الرمال الصفراء