ـ هاي...أنتي فين...سرحانة في إيه...ريم...ريم الأرض تنادي ريم...عودي يا ريم..
شبح ابتسامة لون ثغرها الشاحب:
ـ أيوة يا ريتاج أنتي عاملة دوشة ليه ف*جتي علينا المطعم
وضعت ريتاج يدها على خدها تتأمل صديقتها:
ـ والله...بقى أنا سايبة جوزي وأمي وسيف وجاية لحضرتك بعد ما فزعتيني في التليفون علشان اتملى في وشك وأنتى سرحانة...غني يا وحيد...قول مين...مين شاغل بالك...
احمرت وجنتيها الشاحبتان بقوة ون**ت رأسها بارتباك:
ـ هو باين عليا قوي...
اعتدلت ريتاج وهي ترمق صديقتها باستغراب وتسألها بجدية:
ـ مالك يا ريم...في إيه...مشاكل في الشغل...قولي وأنا أخلى ليث يقفل لها لهم...أنتي عارفة أنها تابعة لمجموعة شركات عبد الجواد
ـ أه طبعاً...بس مافيش داعي خلى الناس تاكل عيش يا حضرة مراة صاحب الشركات...وأنا اللي كنت فاكراكي شيوعية طلعتي رأس مالية مار**ية
ـ هه سبنالك البرجوازية...انحتى يا حبيبتي في الصخر على مهلك...كنت جايبة لك شغلانة زي الفل في الشركة الأم ...لكن حضرتك **متي على الشركة دي...ليه...فيها إيه الشركة دي...
دارت عيناها بإحراج:
ـ يوووه بقى يا رورو...مافيهاش...قريبة من بيتي ...ما أنا قلت لك الحكاية دي قبل كدة
ـ أيوة ..بس مكنتش فاكراكي هتملي كدة..
احتدت ريم فجأة بدون مبرر:
ـ قصدك إيه...هو أنا عملت إيه يعني...أنتي عرفتي حاجة؟؟ والله العظيم...
قاطعتها ريتاج والارتياب يزداد توجساً:
ـ فيه إيه يا ريم...أنا معرفش أي حاجة عنك...هو حصل حاجة أنا معرفهاش؟؟
دمعت عينا الفتاة:
ـ لا...ولا حاجة..أنا اللي أعصابي بايظة...سوري يا رورو..
ـ أنتي طلبتي مني أقالبك ليه يا ريم...عاوزة تقولي حاجة؟؟
رفعت ريم عيناها المدمعتان لصديقتها...دهشت ريتاج وهي تتأمل دموعها التي لم تنزل:
ـ يااااه يا ريم...أنا عمري ما شوفتك بالحالة دي...كانت دايماً عيونك ش*ية وبتضحك...إيه اللي حصلك يا بنتي ما تحكي...تكونيش وقعتي في المحظور وحبيتي....
كان الرد **تاً أفضل من أي إجابة....أمسكت ريتاج بيدها تربت عليها بحنان:
ـ وفين المشكلة...هو كمان بيحبك؟؟
بصوت مخنوق النبرات:
ـ مش...عارفة..
ـ يعني إيه مش عارفة...
احتدت ريم بعصبية:
ـ قلت لك مش عارفة وخلاص هو تحقيق...
رمقتها ريتاج بقلق:
ـ طب إهدي واشربي العصير...ووقت ما تكوني عاوزة تحكي...أنا هسمعك...
بغل شديد رمقتها ريم لتصب جام غضبها على رأسها:
ـ طبعاً وأنتي خاسس عليكي إيه...متجوزة من الراجل اللي بتحبيه وعندك طفل وعايشة في قصر مكنتيش تحلمي بيه....
قهقهت ريتاج:
ـ مش بقولك برجوازية...لا وحقودة كمان....أنا عارفة أنك بتقولي الكلام دا من ورا قلبك علشان في حاجة كبيرة قوي مخبياها عليا...لما يكون عندك استعداد...
وقفت ريم وصرخت لتثير فضول كل رواد المطعم:
ـ أنتي إيه...مش بتحسي بأي حد غير نفسك...اصحي وفوقي وشوفي الدنيا حواليكي عاملة إزاي...الدنيا مش وردي زي ما فهمونا...الدنيا كلها ديابا ونمور وتعالب...وناس كتير لابسة أقنعة تداري بيها حقيقتها القذرة....اللي زيك نفدت من زمان...واللي زيي لسة لقمة سهلة بين أنياب أي حيوان....
حاولت ريتاج تهدئتها مرة أخرى ولكنها لم تسمح لها...رمقتها بشرارات نظراتها الحاقدة وسحبت حقيبتها بعنف أديى لسقوط أكواب العصير...لم تهتم للفوضى التي أحدثتها ورمقت ريتاج بنظرة محتقرة أخرى:
ـ ادفعي تمن الحاجات دي...وتبس كويس للجرسون..
***********************.
نظر ياسر مرة أخرى لساعته وقد ظهر عليه التأفف والضجر...ثم ارتشف رشفة من مج اللاتيه قبل أن ينظر تجاه رفيقته بنظرة ملولة ماطاً شفتيه بملامح ساخطة:
ـ وبعدين....قاعدة تلفي وتدوري بقالك ساعة...وفي الآخر مفهمتش حاجة...ضيعتي وقتي...
ثم أردف بنبرة أكثر سخرية:
ـ وزي ما أنتي عارفة...وقتي بفلوس...فلوس كتيرة قوي يا مدام...
تراجعت في مقعدها تخفي بمهارة توترها البادي في رجفة رموشها وهي تخفضهما على فنجان قهوتها الذي لم يمس....غرزت أظافرها الطويلة المطلية بلون وردي في مساند مقعدها وهي تعيد بصوتها الرقيق ذو البحة الطبيعية:
ـ ياسر... أنا بحاول أبني اللي اتهد بينا...وأنت مش بتساعدني...لازم نتقابل في نص الطريق علشان...
ضاقت عيناه وشفتاه تتسعان بابتسامة ساخرة:
ـ نبني...أنتي نسيتي أن اللي ان**ر مش ممكن يتصلح ولا إيه يا مدام...
بدون يأس هتفت بأمل:
ـ ممكن نبني من أول وجديد...
شبك أصابعه في بعضهما يتأملهما بفتور:
ـ مش لو كان عندي نية فعلاً...أنتي ناسية أننا منفصلين من خمس سنين...
زفرت حانقة بمرارة:
ـ مش ناسية...كنت ليك الص*ر الحنون اللي بترمي عليه همومك...والكتف اللي بتشكي له من قسوة الدنيا....والإيد اللي بتمسح دمعتك قبل ما تنزل تهد من الصورة اللي بتحاول تظهر بيها قدام الناس....لحد ما اتصالحت مع مامتك وأختك... واتصالحت مع نفسك...ونسيتني...
حاول ألا يظهر تأثره مشيحاً عيناه عنها لمج اللاتيه الفارغ:
ـ بلاش نجيب سيرة الماضي...ارتباطنا كان محكوم عليه بالفشل من أول يوم...كنتي في احتياج ليا...زي ما كنت في احتياج ليكي ...يعني مصالح متبادلة...ولا نسيتي أنك كنت متلاحقة من كل العصابات في أمريكا...ومن البوليس...وأنا أويتك وحميتك ودفعت ديونك...وكل مشاكلك خلصت...
تمتمت من خلال دموعها التي هطلت من عينيها الفيروزيتان بدون حساب:
ـ أنا حبيتك يا ياسر بجد...ولما اتجوزنا...
قاطعها بنبرة صلبة كملامحه:
ـ أنا مخدعتكيش يا ميسم...من أول لحظة علاقتنا فيها بدأت تاخد منحنى مختلف...قلت لك أنها مش هتدوم....وكان لازم تعرفي أني مش بقول كلام في الهوا..
أطرقت لتتساقط دمعاتها على يديها المكورتان في حجرها...لتسمعه يردف بنبرة أحد من نصل حاد:
ـ مكانش في داعي تكلفي نفسك تذكرة طيران وتيجي لحد مصر....أنا بعت توكيل للمحامي بتاعي في أمريكا علشان يتابع إجراءات الطلاق....
رفعت رأسها بابتسامة متلاعبة:
ـ غلط يا ياسر بيه...حساباتك كلها غلط...يمكن أكون زي ما قلت...كنت محتاجة لك...ورضيت بشرطك للجواز...ويمكن أكون لسة مديونة لك بحاجات كتير ...بس عمرك ما هتقدر ت**رني...أنا جيت دلوقتي بس علشان زي ما بيقولوا عندكم "العيش والملح" اللي كان بينا...قبل ما أقابلك كنت زهقانة وق*فانة من أمريكا...وكان نفسي أرجع لبلدي...بس لما عرفتك واتجوزنا ...اتحملت علشانك...كنت بتيجي لي أجازات ومكنتش بلحق أشبع منك...بس كنت راضية...ودلوقتي...مافيش حاجة تصبرني على الغربة
اعتدل مستقيماً في مكانه يرمقها بتروتر:
ـ قصدك إيه؟؟
أعادت شعرها المسدول للخلف بحركة واثقة....ثم شمخت بأنفها بابتسامة هادئة:
ـ يعني أنا رجعت مصر خلاص...أي انفصال حضرتك عاوزه هيكون هنا....مش هناك...أنا لقيت شغل وسكن....ودا عنواني...علشان تعرف تبعت أوراق الطلاق...أه سوري نسيت...في مصر مافيش أوراق طلاق ومحاكم...الرجل بيروح للمأذون ويطلق مراته....سواء كانت راضية أو مش راضية...تصرف مثالي لأي رجل شرقي...وأثبت أنك رجل شرقي بالوراثة يا ياسر بيه...أنا بانتظار ورقتي...
أوقفها وهي تهم بالوقوف:
ـ استني عندك....أنتي مينفعش تعيشي في المكان اللي أنا فيه؟؟
ـ ليه؟؟
ـ هو كدة وخلاص...ميسم أنا بحذرك...ارجعي لأمريكا وأنا هبعت لك مصروف يكفيكي كل شهر...
ضحكت بدلال وكأنها ليست المراة التي كانت تبكي منذ لحظات على ضياعه منها:
ـ أووووه بيبي...أنا خلاص رتبت حياتي...وأنت خلاص مافيش لك سلطة عليا...باي باي..
استدارت لتذهب عندما توقفت فجأة ترمقه من خلال كتفها:
ـ على فكرة نسيت أقولك أنا بشتغل فين...ضروري تعرفه هو قريبك...في شركة ليث عبد الجواد الهندسية...
وقف مجفلاً يناديها ولكنها تظاهرت أنها لم تسمعه واستمرت بخطواتها الواثقة حتى ابتعدت عن مرمى نظراته...
جلس متهالكاً يفكر ...كيف وصلت لأن تدبر عملاً في شركة زوج أخته...متى وكيف...
ثم رفع رأسه بنظرات نارية حيث اختفت وطوح بيده مج اللاتيه الفارغ ليسقط على سيراميك المطعم محطماً...
**************************.
أغمضت عيناها بقوة وهي تضع المفتاح في الباب...أهلكها التمنى مرة أخرى...لو كانت أكثر قوة...لو كانت تستطيع ان تقول لا ...ولو مرة واحدة فقط...
استدار المفتاح في قفل الباب بسهولة...دخلت وأغلقته خلفها بسرعة...وقفت لاهثة تستند على الباب...ص*رها يعلو ويهبط وكأنها كانت في سباق الركض....
مرة أخرى...حدثت نفسها....مرة أخرى سأسلم له كل شيء...بدون قيود...وبدون شروط...سأبتلع احتجاجاتي....سأرضى بفتات ما يلقيه لي....ماذا أفعل...أحبه...
بحركات آلية اتجهت لغرفة النوم... وقفت على الباب تنظر إليه بتنهيدة موجعة...مثل كل مرة...يتصل بها ولا تسمع إلا كلمة واحدة "أنا عاوزك"
ثم يغلق الخط...كمن تستجيب للنداهة ورغم كل احتجاجاتها الصامتة...تجد نفسها تسرع لتلبي....وكيف لا تلبي وهي تعشقه حد الجنون....ولكنه لا يمنحها شيء...أي شيء وهو يسلبها كل شيء...حتى كرامتها وكبريائها...أصبحا ممسحة لتسلطه وتحكمه...
ها هو ينتظرها في الفراش كل مرة...ينتظر أن تلقي بنفسها بين براثنه...كضحية باعت نفسها للذ*ح من أول مرة...
التفت نحوها بتأفف:
ـ لسة مخلعتيش هدومك....بسرعة مافيش وقت....
أغلقت رموشها على دمعة كادت تفر من معقلها وهمت بدخول الحمام لتنفذ أمره بالخلع عندما أوقفتها نبرته الساخرة:
ـ إيه...م**وفة...من أمتى؟؟
التفتت له ورسمت ابتسامة شحيحة:
ـ لا..كنت هغسل وشي...
لوح بيده باستعجال:
ـ مش وقته...اقلعي هدومك وتعالي بسرعة....بسرعة يا ريم...
ونفذت...وكانها وجدت لتنفذ أي أمر له...حتى لو أمرها أن تلقي بنفسها من سطح البناية...لا شك أنها ستنفذ بدن تفكير...كما تفعل الآن تماماً وهي تلقي نفسها الع***ة من كل قيم وأخلاق وكرامة ليفرغ فيها شهوته كما اعتاد أن يفعل دائماً...
في كل مرة تكون بين ذراعيه تنسى أو تتناسى كل شيء...وتفكر أنها ربما هذه المرة ستحظى بأكثر من رغبة مشتعلة كالوميض...ربما هذه المرة سيعلن لها عن رغبته بأن يطلبها رسمي للزواج...فتتفانى في إسعاده...لعلها تحصل على تلك اللمحة الراضية...ولكنه فجأة يبعدها عنه كمن يخشى عدوى الجرب ويولي لها ظهره وينهض متجهاً للحمام يغتسل منها.
لفت نفسها بين ملآت الفراش تحاول إخفاء نفسها من نفسها...خجلة من مواجهتها...
عندما خرج يلف خصره بمنشفة ويفرك شعره المبلل بأخرى...رمقها بنظرة ملولة:
ـ قومي البسي وروحي...استحمي في بيتكم...أنا مش فاضي...
شهقت...ليس من كلماته الجارحة ولا من أسلوبه الفظ...ولكن لأنها ما يزال قادر على جرحها....جلست تنظر له غير عابئة بستر نفسها وسألته بصوت مرتعش:
ـ هيثم أحنا هنتجوز أمتى رسمي؟؟
رمقها بنظرة هازئة من علياءه وقهقه بازدراء:
ـ ومين جاب سيرة الجواز..اللي زيك يا حبيبتي أخره ورقة عرفي واتنين شهود مشكوك في ذمتهم ...ما تساويش عندي أكتر من كدة
انسحب الدم من عروقها وجحظت عيناها برعب:
ـ يعني أيه...أنت ضحكت عليا
قهقه بدون أن يصل المرح لتقويسة شفتاه القاسيتان:
مش غلطتي أنك ع**طة...القانون لا يحمي المغفلين...أنا قطعت الورقة بتاعتي وبتاعتك كمان..متتعبيش نفسك علشان تثبتي أي حاجة علشان مش هتقدري...قومي البسي هدومك ومش عاوز أشوف وشك تاني أبداً...أنا أصلاً مليت منك...بقيتي ورقة محروقة معنكيش حاجة تقدميها لي تاني...بقيتي مستهلكة...
ـ أنت...أنت إزاي كدة...
التمعت عيناه ببريق شيطاني:
ـ كل واحدة تفكر تفرط في نفسها قبل الجواز...لازم يحصل لها كدة..وأكتر من كدة...احمدي ربك أني مش فاضي اليومين دول...كنت اتصلت بأهلك كفاعل خير وبلغتهم على عمايل بنتهم من وراهم...
أخذت تلطم بقوة وبدون وعي فصرخ بها:
ـ بقولك إيه...عمايل الجنان بتاعتك دي تروحي تعمليها في بيتكم...أنا مش فاضي...
ثم أمسكها من ذراعها وجذبها لتسقط على الأرض أسفل قدميه....دفع بقدمه ملابسها الملقاة على الأرض في وجهها صارخاً:
ـ يالا ألبسي وإلا أقسم بالله العظيم أرميكي برة زي ما أنتي كدة...
أسرعت تنفذ أمره مدفوعة بذلك الغضب المشتعل في عينيه بإصرار...كانت متأكدة أنه سينفذ تهديده...فلم يكن الرجل اللطيف الذي عرفته وعشقته...ولا الدكتور المحاضر الدائم التجهم والذي تعلقت به في صفوف المحاضرات...كان كائناً حيواني الطباع والأخلاق...لا تعرفه...كانت ترى ومضات منه خلال شهور تعارفهما...عندما ابتدأت علاقتهما تزداد قوة...فهو السبب الرئيسي الذي دفعها لتطلب العمل في هذا الفرع من شركات عبد الجواد...لأن هيثم شومان يعمل فيها....تعرفت عليه بشكل مغاير...فقد ساعدها على أن تقترب منه...بعد أن كان نجمة في السماء لها...أصبح بين يديها...حبيباً وعاشقاً...لم تفكر مرتين عندما عرض عليها الزواج العرفي...مدعياً أنه لا يستطيع الصبر حتى عودة أمه من زيارة ابنتها في الخليج...وافقت لتكون معه...ولتثبت له مع الحب تزول كل الحواجز...
كانت قد انتهت من ارتداء ثيابها أمامه عندما بدأ بدفعها من جديد حتى بابا الشقة...أمسكت بيده قبل أن يدفعها خارجها بتوسل مقيت:
ـ هيثم...أرجوك...
ظنت أنه يفكر عندما توقف لحظات...وداعبها الأمل الذي تسرب سريعاً عندما فتح يده مطالباً:
ـ مفتاح الشقة...
مدت يدها بذهول في حقيبتها وناولته له لا تصدق أنها فعلاً لن تراه بعد اليوم...إلا في العمل....
وقفت أمام الباب الذي صفق في وجهها تظن أنها في حلم...بل كابوس...فتح الباب فجأة ليطل بنظراته الهازئة عندما رآها لا تزال واقفة:
ـ بالمناسبة....خلي عندك كرامة وقدمي استقالتك من الشركة أو اطلبي نقلك لأي فرع تاني...ريحتك فاحت قوي ومحدش طايقك هناك.
انتفضت عندما صفق الباب في وجهها مرة أخرى.
************يتبع*************.