ـ لولو حبيبي...أنت خارج؟
وقف ليث متأففاً يرمق أمه بغيظ:
ـ ماما..مش معقول كدة...عمري عدا الثلاثين وأنت لسة بتانديني لولو...أنا دلوقت لو حضرتك ناسية دكتور في الاقتصاد الدولي.. ماينفعش...
تأففت أمه بطريقه متأنقة:
ـ أوووف وبعدين معاك يا ليث...هو أنت مصر تحرق دمي كل ما أتكلم معاك...ومش لازم تفكرني كل شوية أن عمري أكبر من ثلاثين سنة...
شبح ابتسامة لون فمه رغم عدم إحساسه بحس الفكاهى...وإلا كان ضحك حتى سقط أرضاً:
ـ أوك ماما...اعملي اللي أنت عاوزاه..بس ناديني ليث...بس هو دا طلبي الوحيد:
نفثت دخان سيجارتها الرفيعة الوردية من خلال مبسمها الذهبي ثم أومأت برقة:
ـ داكور يا روح ماما... كنت عاوزاك ما تاخدش العربية السبور النهاردة...أنا عاوزاها في مشوار خصوصي...
حدجها بنظرة مرتابة:
ـ مشوار إيه يا ماما؟
ـ مشوار وخلاص يا ليث..هو تحقيق...خد العربية البي أم...النبيتي..
رفع رأسه محدقاً في سقف الفيلا المرتفع..وزفر بهدوء محاولاً السيطرة على مشاعره المتضاربة:
ـ ماما...عاوز أعرف هتروحي فين...بليز لو سمحتِ؟
تن*دت قائلة:
ـ راحة مشوار مع ..مع سيادة المستشار عرفان الرشيدي...ولو حبيت تعرف أكتر... هو مشوار يخص جمعية الدفاع عن حقوق الكلاب الضالة... ارتحت يا ليث والتحقيق بتاعك خلص...هتلاقي مفتاح العربية عندك على الكونسول...خد بالك وأنت بتسوق يا لولو...
تأمل أمه بضيق يتزايد خاصة عندما لاحظ أخيراً تأنقها الزائد ومكياجها الذي لا يتناسب مع سيدة بعمرها...حتى ملابسها...بنطلون أبيض وبلوزة ذات تشجيرات زرقاء ووردية....تجاهلت أمه نظراته الناقدة ورفعت الموبايل لترد على الاتصال...أشرقت ملامحها فجأة ثم نظرت لابنها بحذر:
ـ داكور يا ليث...ولا في حاجة تانية...؟
هز رأسه وهو يضم شفاهه بقوة حابساً أنفاسه ثم جر أقدامه مبتعداً قبل أن يرتكب جناية في حق نفسه ...وحق المدعوة أمه في شهادة الميلاد...
تجولت به ذكرياته في الماضي القريب...منذ عشر سنوات فقط...كان ما يزال يخطو على عتبة عقده الثاني عندما تزلزل عالمه بحادث أدى لوفاة والده...والده الذي كان كل عالمه ..وعالم سيدة المجتمع المتألقة درية هانم السلحدار...سليلة البشوات...والتي تزوجت من والده السيد فهمي عبد الجواد الرجل الصعيدي المكافح... رغم إرادة أهلها...كانت تعشقه بكل ما للكلمة من معنى...كادت صدمتها بوفاته تقضي عليها...ومع الوقت تعافت من ثأثيرها المزلزل لكيانها...وبدأت تعيش حياتها بطريقة ع**ية تماماً لما كانت عليه من قبل...فعادت تطرق أبواب النوادي, لتعود سيدة مجتمع من الطراز الأول, بعد أن استعادت صديقاتها من نفس الطبقة, والذين ابتعدوا عنها بعد زواجها...لم يعترض ابنها على حياتها مطلقاً...حتى بدأ الرجال من صنف سيادة المستشار عرفان يتهافتون عليها...ويستنزفون أموالها تحت ستار التبرعات للجمعيات الخيرية كـ"جمعية رعاية الكلاب الضالة"...ض*ب المقود بيده بغيظ...متذكراً الفتيات التي كانت ترسلهن أمه له من النوادي ليحاولن إيقاعه في شباكهن...وكل واحدة تحاول التأثير عليه بحيلة جديدة...كل مرة مختلفة عن الأخرى....
كانت ذكرياته ما تزال تتجول في عقله عندما وجدها أمامه...وكأن الأرض انشقت عنها فجأة أثناء دخوله كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ليتسلم عمله في اليوم الأول...
تن*د بصعوبة قبل أن ينزل من السيارة ليتأكد إن كان قد أصاب الفتاة فعلاً أم أنها حيلة جديدة...بداية تعارفه بها كان شعرها الأ**د بلونه الغريب كجناح غراب.. أ**د من الليل نفسه...
بريق غامض بعينيها دفعت الكلام من فمه كطلقات الرصاص...التي استفزتها لدرجة أسمعته وصلة ردح لم يسمع مثلها في حياته...ولكنها ضغطت على جرحه بكل قوتها...خاصة وهي تسخر من أمه وتدليلها لاسمه...وجاء فرد الأمن وساعدها على النهوض..وبعد ذهابها سأله عنها وعرف كل شيء...و**م على الانتقام...
وقف مذهولاً أمام تجمع الطلبة حولها والبنات تصرخ وتنادي باسمها...
ثم صرخت صديقتها ريم:
ـ في كدمة جامدة قوي وزرقا في جنبها...يظهر حاجة خبطتها...
انحسرت كل نقطة دم في جسده...وتركته جافاً تماماً فلم يلاحظ أحد شحوبه وهو يشق الصفوف بين النظرات المتهمة وينحني على الفتاة الشاحبة...لمس جبينها البارد ثم نظر لأقرب الطلاب إليه:
ـ اتصل بالإسعاف...قول لهم الآنسة اتعرضت لحادث...عربية خبطتها..
قف ليث يتابع سيارة الإسعاف بعينيه...تتملكه حالة من العجز والشلل التام... لم يشعر بها من قبل... خاصة عندما رمقه كل طلابه بنظرات احتقار...وجاء صوت من جواره:
ـ من أول محاضرة ليك يا دكتور...عربية الإسعاف بتدخل الكلية لأول مرة من يوم ما اتعينت عميد فيها...يا ترى يا دكتور ليث أيامك الجاية مخبية لنا إيه؟
أطرق ليث برأسه:
ـ الموضوع حصل فيه سوء تفاهم يا سيادة العميد..
أومأ العميد بدون تفهم:
ـ أه طبعاً واضح...فرد الأمن اللي على البوابة حكى لي كل اللي حصل معاك أنت والبنت النهاردة...نصيحة مني أجري إلحقها قبل ما أبوها ياخد خبر ..أنت عارف مين أبوها يا دكتور...حضرتك سمعت عن المحامي الشهير بسمكة القرش...جحظت عينا ليث فأومأ العميد متابعاً:
ـ أيوة..هو بعينه...المستشار جمال الدين محجوب...وهو أبو ريتاج...محامي التعويضات المعروف بسمكة القرش...ومحدش بيقع تحت إيده إلا لما يمص دمه لآخر نقطة...من حسن حظك أنه منفصل عن مراته...يعني يمكن ميعرفش بالخبر دلوقت..ولكن الله أعلم... دا راجل داهية...ليه عيون بترصد كل المستشفيات...زي ما يكون بينتظر أي قضية يغرز مخالبه فيها...إلحق نفسك يا ليث وسوي المشكلة مع الأم وبنتها قبل ما أبوها يوصل...
بس إدعي ربنا تكون سليمة...
ظلت نصيحة العميد تتردد في رأسه مراراً وتكراراً وكأنه يدور في دوامة لا نهاية لها...شيء وحيد بدا صائباً في كل هذه الفوضى...عندما أمر سائق سيارة الإسعاف أن يتجه بها لمشفى عمه الخاص...أعاد الاتصال بابن عمه الدكتور مهاب....ظل الهاتف يرن كثيراً حتى رد أخيراً...فتأوه ليث بتنهيدة عميقة:
ـ مهاب أخيراً رديت...الحالة اللي بعتهالك وصلتك..
ـ أيوة يا ليث...هو فيه إيه بالظبط...وإيه علاقتك بيها؟
زفر ليث بعصبية:
ـ مش دلوقت يا مهاب أرجوك قولي حالتها إيه؟
ـ لأ لسة خالص...مقدرش أقولك أي حاجة...لسة الكونسولتو بيكشف عليها زي ما أنت طلبت...كان من الواضح أن فيه نزيف داخلي لما عاينتها أول ما دخلت...ربنا يستر وتكون الكلية سليمة..
ض*ب ليث طارة المقود بغضب ثم تمتم بنبرة لاهثة:
ـ حد من أهلها وصل؟
فكر مهاب قليلاً ثم رد:
ـ لا..مافيش غير البنت اللي كانت معاها...وأعتقد أنها اتصلت بحد من أهلها...أكيد حد هيوصل...بس لو تريحني وتقولي إيه اللي بيحصل؟؟
زفر ليث هواءاً حاراً من جوفه المتقد:
ـ أنا قربت أوصلك ...وهحكي لك على كل حاجة...بس حتى لو أهلها موصلوش... مش عاوزك تقولهم على أي حاجة عن حالتها لحد ما أوصل
شهق مهاب:
ـ أنت أكيد بتهرج...أنت عاوز توديني في داهية يا ليث؟
ـ يا أخي قلت لك أنا في الطريق...
ثم أقفل الهاتف وألقاه بعيداً عنه يتنفس بصعوبة...مسح وجهه بيده معيداً شعره للخلف بأصابعه...وصل لموقف المشفى فأوقف السيارة في الطريق الم***ع وخرج مسرعاً ...وعندما وقف الأمن معترضاً طريقه ألقى له بالمفتاح قائلاً وهو يركض مبتعداً:
ـ وقفها في أي مكان يريحك أنا مش فاضيلك....
دخل مسرعاً ليتلقاه مهاب الذي لم يرتح لملامحه ال**بسة:
ـ خير يا مهاب...حصل حاجة؟
ـ أمسكه مهاب من مرفقه ودفعه لأحد الغرف الفارغة بحدة وأغلق الباب جيداً ثم التفت إليه:
ـ أنا لازم أفهم ..وحالاً..
أطرق ليث رأسه قائلاً وهو يعيد شعره مرة أخرى للخلف بأصابعه كأنه ما يزال يحاول استيعاب ما يحدث:
ـ خبطتها بعربيتي...بس هي قامت ووقفت بعدها ولا كأن حاجة حصلت...حسبتها واحدة من اللي بيرموا نفسهم قدامي كل يوم...قلت لها كلمتين فارغين وردت بوصلة ردح محترمة...وبعدين انهارت في المحاضرة...بعتهالك يمكن تعرف تلم الموضوع..
رفع مهاب رأسه للسقف:
ـ يا نهار أسود...أنت عارف البنت حصل لها إيه؟؟؟؟
.....يتبع.....