***********
ـ اتكلم يا بني آدم..نشفت دمي...
حدج مهاب ابن عمه بنظرة عتاب وبعد تنهيدة طويلة:
ـ البنت كان عندها فعلاً نزيف داخلي...بسبب تهتك شديد في الكلية الشمال...لازم يتم استئصالها...يعني عاهة مستديمة يا دكتوووور ...لو كانت وصلت بدري شوية يمكن كنا قدرنا ننقذها...
حدق ليث بوجهه كأنه لا يراه...بل لحظة اصطدام سيارته بجسدها آلاف المرات تتكرر أمام عينيه...وكأنه يتمنى لو تعود عقارب الساعات للخلف..ربما كان...
ركضت الست وجدان بين أروقة المستشفى كالمذهولة التائه عقلها...وفكرة واحدة هي ما تثبتها على الأرض...أن تجد ابنتها وتضمها لص*رها بقوة حتى تستعيد روحها التي غاردت منذ تلك اللحظة التي سمعت فيها خبر أن ريتاج ...ابنة عمرها الوحيدة في المشفى...ازدادات خطواتها سرعة عندما رأت صديقتها ريم ترتكن على الحائط في الردهة الطويلة البيضاء المقبضة للنفس بهدوئها وسكونها...أمسكت ريم من كتفيها تجذبها بلهفة:
ـ ريم...فين ريتاج يا ريم...أرجوكِ...أتوسل ليك يا بنتي ريحي قلبي...ريتاج كويسة...هو إيه اللي حصل؟
منعت ريم شهقتها وهي تكتم نحيبها بصعوبة:
ـ والله مش عارفة يا طنط ...من ساعة ما دخلت جوة ومحدش راضي يطمني...بس أنا خايفة قوي يا طنط..
لطمت الأم على وجهها:
ـ يا لهوي...أه ياني يا بنتي...يا ترى إيه اللي جرالك يا حبيبتي...إيه اللي جرى يا ريم...بنتي مالها يا ريم:
ـ والله يا طنط محدش عملها حاجة...كانت واقفة في المدرج بتتخانق مع الدكتور وفجأة وقعت من طولها...
ـ بتتخانق مع الدكتور ليه يا ريم....هي بنتي وش خناقات...أه ياني يا بنتي ..يا حبيبتي ..يا ترى جرالك إيه يا ضنايا..؟؟
خرج الطبيب من الغرفة المغلقة أخيراً... هرعت الأم نحوه تمسك بكمه بتوسل باكي:
ـ الله يخليك يابني..طمني على بنتي...هي مالها ..فيها إيه؟؟
خلع الطبيب الكمامة من على وجهه ونظر للأم الملتاعة...متن*داً:
ـ اطمني يا حاجة ...بنتك هتكون بخير إن شاء الله...
جاء صوت صارخ من خلفهم:
ـ بخير إيه يا كتور...هو حضرتك كنت بتكشف على مين بالظبط...بنتي عربية خبطتها ...وبتقولي بخير...واللي خبطها قريب صاحب المستشفى بتاعتكم..
دا أنا هود*كم كلكم في ستين داهية..
التفت الجميع لصاحب الصوت الوقح وشهقت وجدان:
ـ جمال...أنت عرفت منين؟ وبنت مين اللي خبطتها عربية.؟؟
ثم استدارت لريم متسائلة:
ـ ريم يا بنتي...مش أنت قلت أنها وقعت في المدرج؟
ردت الفتاة برعب:
ـ أيوة..والله يا طنط هو دا اللي حصل...
تقدم المستشار جمال الدين بخطوات واثقة:
ـ أنا مش بخرف يا وجدان..بنتك خبطتها عربية...وصاحب العربية الدكتور ليث أحمد عبد الجواد..ابن أخو الدكتور سلامة عبد الجواد...شوفت الصدفة الغريبة
صاح الطبيب بحنق:
ـ لو سمحت أنا مش هسمح لك بالتجاوز
لوح له المستشار جمال بيده في وجهه:
ـ بلا تسمح بلا متسمحش...أنتم ناس معندكمش ضمير...وأنا هود*كم كلكم في ستين داهية..
صرخت وجدان لتوقف المشاحنة:
ـ بس..كفاية كدة حرام عليكم..أنا مش عاوزة حاجة غير أني أطمن على بنتي..أنتوا أيه مافيش في قلوبكم رحمة...من ساعة ما دخلت والخراب داخل وراك...أنت مافيش فايدة فيك...لسة بتشمشم على الدم حتى بعد كل السنين دي...أنت أيه يا أخي مش بتشبع أبداً
حرام عليك اتقي الله بقى
ـ اسكتي أنت..هتفضلي طول عمرك مش فاهمة حاجة..
التفتت وجدان للطبيب:
ـ أرجوك يا بني طمني على بنتي...أنا مش عاوزة حاجة في الدنيا غير أنها تكون بخير
فتحت عيناها بصعوبة تتأوه من آلام في كل أنحاء جسدها...رمشت بقوة عندما زكمت أنفها روائح غريبة...ثم تلفتت حولها لتصدم برؤية أمها جالسة جوارها...حاولت التحرك تلمسها, لتتأكد أنها لا تحلم...ولكن الأنابيب المتصلة بإبر من ذراعها أوقفتها وهي تصرخ من الوخزة المؤلمة...تنبهت أمها من غفوتها وهي تصيح بقلق:
ـ بنتي حبيبتي...اسم الله عليكي يختي..
بصوت خرج بصعوبة شديدة تمتمت:
ـ إيه يا ماما ....أنت هنا ليه؟؟ هو إيه اللي حصل؟
وكأن تلك الكلمات استنفذت كل طاقتها فأخذت تسعل بحلق مجروح حتى أنهكت تماماً
وضعت وجدان يدها على فمها لتمسك أنفاسها فخرج صوتها مخنوق:
ـ خير يا حبيبتي...إن شاء الله خير...الدكتور طمنا...
ـ دكتور مين.. أنا ...
لم تستطع إكمال جملتها فعادوها السعال المنهك..
أعادتها أمها للفراش بهدوء:
ـ براحة على نفسك ...أنت عملت عملية خطيرة يا بنتي..
حملقت ريتاج بأمها مصدومة ...ولأول مرة تلاحظ ملامحها الحزينة وكأن عشر سنوات زادت من عمرها...سألتها وهي تلاحظ أيضاً جفاف حلقها الشديد:
ـ عملية إيه يا ماما...هو أنا إيه اللي حصل لي بالضبط..
ربتت أمها على يدها:
ـ الحمد لله ..السهم صابني ورب العرش نجاني...ربنا في بيتنا يا بنتي.. أنتي مش فاكرة العربية اللي خبطتك..!!!.
شهقت ريتاج والصور تتزاحم في عقلها بالرجل المغرور الذي تسبب في كل هذه المصائب... أنهت أمها كلامها بالدموع تنساب من عينيها...فربتت على يد أمها:
ـ خلاص يا ماما...ولا يهمك...أنا هكون زي الفل ...إيه يعني شالوا مني كلية ...باقي عندي واحدة تانية...وبعدين يا أم رورو...مش واخدة عليكي كدة دا أنت جمل وياما دقت على الراس طبول..إجمدي أمال...
استهلكت كلماتها آخر طاقتها فأخت تسعل بشدة حتى شحب وجهها تلهث طلباً للهواء
شهقت وجدان تنتفض من مكانها تمسك بيدي ابنتها تحاول فعل أي شئ...ثم همت بالخروج لطلب النجدة فتمسكت ريتاج بيدها تهز رأسها بالنفي قائلة بصوت باهت:
ـ أنا كويسة...بس...طمنيني...إوعي يكون جمال بيه عرف حاجة...ماما..
هزت الأم رأسها بالنفي قائلة بصوت مخنوق:
ـ اطمني يا رورو...هو أنا هبلة...معقول أروح أقوله...هو أنا ناقصة نصايب يا بنتي...
شدت ريتاج على يد أمها بتأكيد:
ـ ماما..أبوس أيدك..أنت عارفة لو الخبر وصله هيعمل إيه...وعارفة سبب كل المشاكل..إوعي يا ماما...
ـ مش محتاجة وصاية يا ريتاج...ولا أنت ناسية أني أنا اللي رفضت عيشته الحرام و**مت أبعد عنه وأكون في نظر القانون ناشز على أني أعيش تحت سقف واحد مع راجل بيعيش على مص دم الناس... وقطعت من قلبي وخليته ياخد أخوك واستعوضت ربنا فيه علشان تفضلي أنت في حضني ما تبعديش عني أحميك منه ومن جشعه...وياسر راجل يقدر يحمي نفسه..
انكفأت وجدان على يد ابنتها تبكي بحرقة كحالها كلما جاءت سيرة ابنها ياسر الذي تخلت عنه لأبوه قربان لكي يوافق زوجها على ترك ريتاج لها...وكانت صفقة رابحة في ذلك الوقت لسيادة المستشار...الذي لم ير نفعاً في تلك الفتاة النحيلة الغ*ية من وجهة نظره...أما الولد فسيأخذه ليربيه على مبادئه والتي تبعد عن مثاليات وجدان البالية...
طرقات على الباب انتبهت له السيدتان فنهضت وجدان لتفتحه...رمقت الرجلان بنظرات جامدة أقلقت ريتاج قبل أن تنتحي جانباً:
ـ ريتاج..حبيبتي ...دا الدكتور مهاب...والدكتور....أعتقد أنك عارفاه..
ألتفتت ريتاج لتتجمد نظراته على ذلك الوجه المغرور ترتسم داخل حدقتيه الملونتان بلون أخضر فيروزي أسمى آيات الاستعلاء...فسرحت بأفكارها لحظة
"أنا أزاي ما أخدتش بالي من لون عينيه دا قبل كدة" :
ـ أزيك دلوقت يا ريتاج...حاسة بأي حاجة؟
أزاحت عيناها بصعوبة عن عيني الدكتور ليث لتجيب الدكتور مهاب:
ـ أنا لسة مش مستوعبة اللي حصل أصلاً...
ثم أردفت بنبرة اتهام وهي تنظر للدكتور ليث:
ـ بس حاجة كويسة أن حضرته أكتشف أني مش بمثل...أو برمي نفسي على عربية الدكتور...مش كدة يا دكتور؟؟
....يتبع....