الفصل الخامس
احمرت أذني ليث وفمه يفتح ويغلق كمن على وشك الرد بشكل لاذع...واستعدت بكل شجاعة لهجومه الوشيك...ثم حدث ما أذهلها تماماً عندما نطق بنبرة خافتة ورقيقة:
ـ آنسة ريتاج...أنا فعلاً ...متأسف...أنا عارف أن أسفي مش ممكن يرجعك زي ما كنت...بس أنا مستعد لأي تعويض و...
جحظت عيناها عند سماعها للكلمة الأخيرة وصرخت بشدة مما أثار انتباهه:
ـ لأ...أنا مش عاوزة منك أي حاجة...غير حاجة واحدة بس...مش عاوزة أشوف خلقتك دي مرة تانية في حياتي كلها...
خيل إليها أن نظرة باردة كالصقيع مرت بخضرة عيناه اللازوردية عندما تجاوزها ببراعة, مما خلف إحساساً مقيتاً داخلها وهو يرد من جديد:
ـ مش أنا الرجل اللي يتهرب من مسؤولياته يا آنسة...حساب المستشفى وكل علاجك على حسابي...
نظرت لأمها المتابعة للموقف ب**ت غريب ثم أعادت نظراتها للدكتور مهاب:
ـ أنا هفضل لأمتى هنا يا دكتور؟...
تنحنح الطبيب ليجلي صوته:
ـ العملية مش بسيطة...ثم أنت لحقتي تزهقي مننا...صدقيني أنتِ لسة في مرحلة الصدمة والم**ر في جسمك مش مخليك حاسة بحاجة...بس لما جسمك يبدأ يشعر بالتغيير هتبدأي تعاني فعلاً ..
تن*دت ريتاج بانزعاج قائلة وهي تغمض عينيها بتعب:
ـ لو سمحتوا...أنا تعبانة وعاوزة أرتاح...
نظر الطبيب لابن عمه بإحراج ثم أشار له على الباب...تسمر ليث في مكانه لحظات ثم شمل وجدان بنظرة محتقرة وأسرع بالخروج وكأنه ما عاد يطيق البقاء لحظة واحدة في نفس المكان...
فتحت ريتاج عينيها لتتأكد من خروجهما...ثم التفتت نحو والدتها لتضبط دمعتها الهاربة..مدت يدها لتمسحها فأمسكت وجدان بيدها تقبلها بقوة ودموعها تنهمر...ابتلعت ريتاج غصة متحجرة في حلقها...وهمت بسؤال أمها...ثم تراجعت...بإحساس غريزي للحماية...كمن يبعد يديه عن النار بدون أن يفكر خوفاً من الاحتراق...هكذا كان شعور ريتاج..أنها ستحترق رغم ابتعادها عن النار...ولكن شعور قوي ظل يداهمها أن النار ستصل إليها يوماً ما....وستحترق.
كما لم تتوقع فعلاً لم ترى وجه ليث طوال الشهر الماضي...والأكثر غرابة أن والدها كذلك لم يظهر...كانت تتن*د براحة لأن الموضوع مر بدون أن يعرف...رغم وجود هاجس خفي داخلها يحثها كي لا تصدق كل الإشارات المضللة حولها...ولكن أمها لم تكذب عليها يوماً, وهي أكدت لها عشرات المرات أنها لم تخبره أبداً...
كانت أمها مشغولة بترتيب حقيبتها...أخيراً قرر الدكتور مهاب أنها يمكنها العودة لبيتها ...وقفت في النافذة تراقب بعينين شاردتين الحدائق الواسعة الهادئة...ولم تشعر بالراحة والهدوء... ألم مقبض عبث بكيانها...التفتت لأمها:
ـ خلصت يا وجدان ولا لسة؟
ـ خلاص يا بنتي أهه...ربنا خلق الدنيا في ست أيام أنتي متسربعة على إيه؟؟
طرقات على الباب ثم دخول الدكتور مهاب بابتسامته المشا**ة:
ـ هي مريضتي المشاغبة زهقت مننا بسرعة كدة؟؟...
شهقت ريتاج:
ـ بسرعة...حرام عليك يا دكتور.... دا أنا بقالي شهر عندكوا...إيه أنتم هتاخدوني مقاولة...ولا يمكن عينك على الكلية التانية...
قهقه بضحكة جميلة ذكرتها بملامح ليث للشبه القريب جداً بينهما.... رغم أنها لم تراه يضحك ولا مرة واحدة.
مد يده في جيبه وأخرج لها ورقة كبيرة أخذتها بنظرات متسائلة:
ـ إيه دي يا دكتور؟
ـ دي يا آنسة مواعيد الزيارة بتاعتك...هو أنت فاكرة خلاص خلصتِ مننا...لسة ...لمدة تلات شهور هتزورينا مرتين كل شهر...وبعد كدة الزيارات هتخف هتبقى مرة كل شهر...وكل علاجك هتاخديه من المستشفى...
ردت بزفرة ساخرة:
ـ من باب التعويض...لأ متشكرة...
همت وجدان بالكلام فأوقفها مهاب:
ـ بعد إذنك يا حاجة خلي لي أنا الطلعة دي...بنتك عاوزة قرصة ودن...أنت مش شايفة أنك زودتيها قوي...الدكتور ليث مش بيجبي عليكي ولا بيعطيكي صدقة لا سمح الله...هو المتسبب في اللي حصلك وبيتكفل بكل علاجك...
ـ نعم...حضرتك بتقول إيه...؟؟؟؟؟؟؟
*********
تن*د مهاب بدون إنزعاج وهو يحاول طمأنة ريتاج:
ـ ريتاج...أنت أنسانة متعلمة...وفاهمة كويس أن المرض مش بإيد البني آدم...دا ابتلاء من عند ربنا..
أجابته بصوت خافت مصدوم:
ـ أنا آسفة...مكنتش أقصد الكلام اللي قلته...أرجوك تعذرني...
هز الدكتور مهاب رأسه بتفهم:
ـ ولا يهمك..أنا مقدر موقفك...وهو طبيعي جداً..كل مريض عندي بيسمع أنه مدة علاجه هتطول شوية بيتصدم زيك تمام...
ـ بس حضرتك بتقول أنه مش هيطول بس...دا أنا هعيش عليه..
ـ أيوة يا ريتاج...أنت زيك زي اللي بيتعمل له زرع كلية...نقص عضو في الجسم تقريباً زي إضافة عضو...الجسم بحاجة لأدوية علشان تساعده على تعويض الجزء الناقص...أتمنى أني أكون قدرت أوصل لك المعلومة...
أومأت برأسها بتفهم...
ـ فهمت يا دكتور...ممكن نمشي؟..
أشار للورقة في يدها:
ـ ما تنسيش المواعيد...يا حاجة وجدان...ونظام الأكل والحركة...حياة بنتك معتمدة على الورقة دي..لازم تمشي عليها زي الساعة على الأقل في الفترة الأولى...
أمسكت وجدان الورقة ووضعتها على قلبها بقوة:
ـ هحفظها صم...وإن شاء الله هبعتها...أو رجلي على رجلها...اطمن يا دكتور..أنا عندي غير بنت واحدة هي اللي طلعت بيها من الدنيا.
ـ حيث كدة ...لازم تاخدي بالك منها..مافيش خروج من البيت لمدة
شهرين كمان على الأقل
صاحت ريتاج:
ـ أنت بتهرج..مستحيل طبعاً...أنا فوت محاضرات كتير..مش ممكن...
قاطعها بحزم:
ـ خلاص ...خليكي هنا...الكلام دا مافيهوش تهريج..
أمسكتها وجدان من يدها تسكتها:
ـ خلاص يا دكتور...لو حبيت أقعدها في البيت خمس ست شهور..إحنا ما صدقنا ...أحنا كنا فين وبقينا فين...وإذا كان على المحاضرات ريم مجهزالك كل اللي فاتك...وباقي زمايلك اللي بيجولك هنا كل يوم..بلاش تلاكيك واسمعي كلام الدكتور...مافيش بعد الصحة يا بنتي...قول كل أوامرك يا دكتور مهاب..وأنا همشيها على العجين متلخبطوش....
مر أسبوع كامل من الحبس الجبري الذي فرضته الحاجة وجدان على ريتاج ...سجينة البيت والفراش...الأكل مسلوق ..والحركة م***عة...
فقط ريم هي التي تهون عليها إحساسها بالملل...ولكنها لا تمكث أكثر من ساعات معدودة ثم تهرع للعودة لبيتها ..
جرس الباب بعد خروج ريم جعل قلبها يدق برعب وفكرت...كارثة أن يكون والدها عرف شيئاً...أخرجت أنفاسها المحتبسة عندما سمعت أمها ترحب بالزائر...لا يمكن أن ترحب وجدان بزوجها المنفصلة عنه أبداً..
طرقة خفيفة على الباب تبعها دخول أمها بابتسامة متوترة جعلتها تجفل مرة أخرى:
ريتاج حبيبتي...أنت صاحية..؟
ـ أيوة يا ماما..خير ..فيه حاجة ؟
ـ أيوة يا ضنايا...دا...دا الدكتور!!!...
اعتدلت ريتاج بسرعة:
ـ الدكتور مهاب...
ارتبكت أمها وهي تعتصر يديها:
ـ لا يا حبيبتي...الدكتور ليث عبد الجواد..
شهقت بانزعاج:
ـ والراجل دا إيه اللي جايبه هنا مش أنا قلت له..
ـ أنك مش عاوزة تشوفي وشي...مش كدة؟؟!!...
انعقد ل**نها عندما طل بقامته الفارعة من خلف أمها بابتسامة جذابة وبيده باقة ورود حمراء ..قدمها لها:
ـ أعتقد أنك مش هترفضي ورودي زي ما رفضت وجودي..يمكن ورودي تحنن قلبك عليا ...ممكن ولا هت**ري بخاطري للمرة التانية...
**********
فغرت فاها وجحظت عيناها أمام باقة الورود البلدي الشديدة الحمرة ودموع الندي تتألق على وريقاتها المغمضة والتي على وشك التفتح كعذراء تتفتح براعمها للحياة على استحياء..انتبهت على صوته المميز الذي اخترق صيوان قلبها كما تخترق السكين قطعة الزبد..ولم تعرف كيف؟ ...
خاصة عندما التفت لأمها وبابتسامة جذابة صعب على أي مخلوق رفضها.. خاصة وجدان:
ـ ماما وجدان...لو سمحت هتعبك معايا..ممكن كوباية شاي من إيد*ك الحلوين...
أفاقت الأم من شرودها هي الأخرى:
ـ أه..طبعاً..طبعاً يا بني متأخذنيش...حالاً كوباية الشاي هتكون عندك...
وهمت بالخروج عندما تلكأت بارتباك...ووقفت أمام زوجان من الأعين المستغربة...ثم قالت أخيراً:
ـ معلش يا بني..يمكن..تقول عليا قليلة الذوق...بس.. متأخذنيش...كان في بالي كلمتين كنت عاوزة أقولهم لك...
ـ اتفضلي يا أمي..قولي اللي على بالك؟؟
ـ شوف يابني...أحنا اتنين ستات لوحدينا هنا.... يوووه يا دي الس**وف...متأخذنيش يابني الوقت ليل و..... وأهل الشارع والجيران ما يعرفوش أنك الأستاذ بتاعها...
عضت ريتاج على شفتها محمرة الوجه من الإحراج:
ـ أستاذ إيه بس يا ماما....الدكتور...
لوحت وجدان بيديها:
ـ يووووه بقى...القصد...
قاطعها ليث بابتسامة هادئة:
ـ مش هقعد كتير..أنا مقدر موقفك..وما تقلقيش مسافة كوباية الشاي .. . هراجع مع ريتاج المحاضرات اللي فاتتها...ولو حد سألك ممكن تقولي له...إنها بتاخد درس خصوصي...
تن*دت وجدان بارتياح:
ـ آه..حيث كدة خد راحتك يا بني...البيت بيتك وأهلاً بيك في أي وقت...
أطرقت ريتاج بوجهها من شدة الإحراج بعد خروج أمها وتركها الباب مفتوح ... رفعت رأسها بحدة التمعت شراراتها في حدقتيها العسيليتان:
ـ أنت بتعمل كدة ليه؟...لو علشان ضميرك بينقح عليك علشان الحادث أنا سبق وقلت لك..أني مسامحاك ولو عاوز تريحه خالص...هات أمضي لك على ورقة تنازل عن حقي عندك.... أنا قلت لك قبل كدة.. بس أنت اللي رفضت
...عاوز مني أيه تاني؟
تن*د بعمق قائلاً:
ـ زي ما قلت لماما وجدان؟
شهقت مقاطعة:
ـ وإيه حكاية ماما وجدان دي كمان...تكونش فاكر نفسك بقيت من العيلة علشان اتسببت لبنتها بعاهة مستديمة؟
أطرق برأسه وصوت تنفسه المتصاعد دل على محاولاته المتتالية لضبط النفس...ثم رفع رأسه بابتسامة واسعة لم تصل لخضرة عينيه القاتمتان:
ـ اسمعي يا ريتاج...أنت بخاطرك أو غصب عنك هتضطري تتحملي وجودي لحد السنة دي ما تعدي...بما أنك مش هتقدري تحضري أي محاضرات الكام شهر الجاييين ...أنا هدرسهم لك هنا في البيت...
وعندما همت بالكلام قاطعها بحدة:
ـ وإياك تقولي أنك مش معاكِ أجرة درس خصوصي لدكتور زيي...هتشوفي الوش التاني بتاعي ...وصدقيني مش هيجبك..
ردت بزفرة ساخرة:
ـ أعتقد أني شفته..ولا فيه أوحش من كدة؟
أومأ برأسه:
ـ أه...فيه...ممكن نبدأ ولا عاوزة تضيعي وقتي..
ـ بس... أنا لسة ما وافقتش...
دخلت وجدان بكوب الشاي وبجواره قطعتان من الكيك...فرفع صوته ليشركها في الحوار:
ـ ناخد رأي ماما وجدان..وكلامها هو الماشي...إيه رأيك..؟؟
وبالطبع وافقت أمها بدون تردد...
ولم يتوقف ليث عن حضوره الشبه يومي... بل كان يأتي ليصطحبها بسيارته لمواعيد الزيارة الشهرية للدكتور مهاب....وما تقبلته على مضض في البداية...أصبح روتين من حياتها اليومية...وبمرور الشهور تحول لحاجة ماسة..بدون وجوده ينتابها إحساس مرعب بالفراغ لتتساءل بينها وبين نفسها...كيف كانت حياتها من قبل بدون وجود ليث فيها؟ ومن كان هذا الرجل الذي صدمها بسيارته في ذلك اليوم...والذي تعمد إهانتها في المدرج وسط ما يزيد عن مائة طالب وطالبة...ظلت هذه النقطة السوداء الوحيدة تؤرق تفكيرها كلما غاب عنها أو تأخر عن موعده المقدس...ولكن عندما يظهر..تصبح مجرد نقطة سوداء لا تكاد ترى في صفحة كبيرة بيضاء ناصعة.
**********
متى بدأت تهتم به...متى فكرت أن يكون أي رجل داخل مجال اهتماماتها... التي كانت حتى وقت قريب جداً محصورة في إنهاء تعليمها الأكاديمي, والحصور على درجة الماجستير وبعدها الدكتوراة, وربما تصل لتصبح سفيرة...ولكن فجأة احتل ليث مكاناً ...وبدأ يستعمرها جزء .. جزء .. حتى تحولت طموحاتها لتصبح مجرد نقطة صغيرة أخرى في صفحته البيضاء في حياتها...شيء واحد كان يشعرها بالقلق...وجدان...رغم استمرارها بالمداراة ولكن تلك النظرة الحزينة بعينيها ما تلبث أن تعود عندما تظن أنها بمنأى عن عيني ريتاج القلقة...
كانت أمها تهنئها بالنجاح والذي زف أخباره ليث إليها قبل أن يتم الإعلان عن النتيجة في الكلية...أو حتى على الانترنت...كانت في غمرة سعادتها عندما فاجأها طلب ليث لوالدتها:
ـ ماما وجدان...بالمناسبة السعيدة دي...يشرفني أطلب منك إيد ريتاج..
انعقدت يدا أمها في حجرها تفركهما بقوة بارتباك واضح...رغم صدمة ريتاج من الطلب ولكن كانت أكثر قلقاً من ردة فعل أمها...وطال ال**ت الجميع..حتى قطعه ليث:
ـ أفهم أن السكوت علامة الرضا..ولا...
قاطعته ريتاج بحدة مبالغة:
ـ أنا مش موافقة...
اتسعت عيناه ثم ضاقتا بقوة وهو يحدج الأم تارة وابنتها تارة أخرى..ثم سألهما بنبرة ساخرة غريبة:
ـ إيه اللي بيحصل دا بالظبط؟..أنا مش فاهم..
أسرعت وجدان بالرد قبل ابنتها:
ـ ريتاج...أدخلي في أوضتك لو سمحت..
اعترضت:
ـ بس يا ماما..
بصوت غاضب لم تعتده ريتاج صرخت أمها:
ـ ريتاج..مش عاوزة مناقشة..اتفضلي...
جرجرت قدميها حتى غرفتها وأغلقت الباب دونهما...وضعت رأسها على الباب حائرة فيما يحدث...وفي أي موضوع تتكلم أمها مع ليث؟ ولماذا رفضته بهذه الوقاحة؟؟؟
وأهم سؤال...ردة فعل ليث عندما رفضته...وكأنه فوجئ..وكأنه لم يتوقع...وكأن موافقتها أمر بديهي مسلم به...لماااااااااااذا؟؟
طرقات على الباب نبهتها من تساؤلاتها فأسرعت بفتح الباب:
ـ ماما...هو ليث...
ـ مشي...عاوزة أتكلم معاك يا رورو..
همهمت باعتراض مسبق:
ـ ماما..لو هتحاولي تقنعيني بليث فأرجوك وفري...
أغمضت الأم عيناها وفتحتهما:
ـ لا يا بنتي..مش هحاول أقنعك بحاجة أنت مقتنعة بها أصلاً
ـ ماما..أنا مش...
قاطعتها:
ـ اللي ربى خير من اللي اشترى يا بنت وجدان...أنا عارفة إحساسك بالدكتور ليث حتى لو أنت بتحاولي تقاومي...وأنا فاهمة أنت رفضت ليه... ريتاج.. مش كل الرجالة زي أبوكي...ولو حاولت تدوري في الدنيا كلها على حد زيه مش هتلاقي...والدكتور ليث ابن ناس طيبين...ومافيهوش حاجة تتعيب...وأنا شايفة أنه فرصة مش هتتكرر في حياتك..
ـ بس يا ماما...أنا لسة طموحاتي كبيرة قوي..
ـ وأنا اتكلمت معاه في النقطة دي, وهي محسومة بالنسبة له...ومش هيقف قدامك ...لأي مرحلة عاوزة توصلي... بالع** هو هيساعدك...
عقدت ذراعيها على ص*رها بعناد:
ـ لو عاوزني بجد...يستنى لما أخلص الدكتوراة..ودا آخر كلام عندي...
أمسكت وجدان برأسها متأوهة ب**ت...
"يا ويلي منك ومن أبوك يا بنت وجدان"
بعد أسبوع آخر فوجئت في المساء بزيارة غير متوقعة تماماً:
دخلت أمها غرفتها شاحبة ترتجف فبادرتها ريتاج بقلق:
ـ ماما..في إيه..مين اللي على الباب؟
ردت أمها بصوت متقطع:
ـ أبوك...ومعاه ضيف..
ـ ضيف...مين الضيف ده اللي مخليك مرعوبة كدة؟؟
***************
ـ ضيف...مين يا ماما...ومالك قلقانة كده ليه؟...
ثم أردفت بحدة:
ـ هو الراجل ده عملك حاجة؟..
وضعت وجدان يدها على فم ابنتها:
ـ ششش...وطي صوتك ليسمعك...اهدي.. الحكاية مش كدة خالص...
شوفي...من الآخر..أبوكي جاي ومعاه عريس..
شهقت:
ـ معناه إيه؟...الراجل دا اتجنن ولا كبر وخرف...عريس إيه وزفت إيه..مين قاله أني عاوزة أتهبب وأتجوز...ولا عاوز يميل بختي زي ما ميل بختك..
صاحت أمها بصوت خافت:
ـ يا بنتي وطي صوتك...إحنا مش ناقصين فضايح...
صاحت بصوت مرتفع:
ـ فضايح..هو لسة شاف فضايح...مش كفاية عمايله السودا اللي مخليانا من**ين روسنا في الأرض...واللي بيسألني هو أبوك المستشار جمال الدين.. بصرخ و وبقول مستحيل...دا بس تشابه في الأسماء...يقوم يجي عاوز يجوزني لواحد مفتري وظالم زيه...
انفتح الباب على مصراعيه ليصطدم بالحائط ويدخل محور حديثهما...لم تره منذ سنوات...ولكنه كما هو...وكأن الدنيا لم تأخذ من عمره بل تعطيه شباباً...وسيم طويل..مليح الوجه...شعره الذي ابيضت سوالفه...فظهر أكثر جاذبية ووسامة...ارتاحت حدقتيه على وجه ابنته الثائر رغم أنه وجه حديثه لزوجته:
ـ فيه إيه يا وجدان؟...أنا والراجل منتظرين برة وحضراتكم قاعدين ترغوا هنا...
همت الأم بالحديث فقاطعتها ريتاج:
ـ أنا مش هتجوز الراجل اللي أنت جايبه دا؟؟؟ ولو أجبرتني هتخسر كتير...أنا مش هسمح لك تتحكم بأي لحظة من حياتي...أنت أبويا في البطاقة بس... سمعت يا سيادة المستشار..بس..
تألقت نظراته إعجاباً خفياً...ثم التفت لوجدان:
ـ اخرجي اعملي كوباية شاي للراجل اللي قاعد برة...
مدت يديها باستعطاف تحاول الكلام فزمجر بعبوس:
ـ اتحركي... واقفلي الباب وراكي..
أومأت لها ريتاج لتطمأن فخرجت تتلفت حولها...
ـ أخيراً يا بنت وجدان...أنا مش مصدق أنك واقفة قدامي عاملة راسك براسي...لأ ومصدقة نفسك...وبعقلك الصغير متهيأ لك أنك حجمتيني خلاص...وأني هاخد العريس اللي جايبه معايا وامشي...
ردت ريتاج وهي ترمقه بنظرات محتقرة:
ـ أنا مش عارفة أي طريقة ممكن تغصبني بيها أني أتجوز العريس بتاعك دا..
ـ وليه مفترضة أني هغصبك...مش يمكن لو شفتيه هيعجبك؟؟ ويمكن تحبيه..؟
ـ بس أنا مش ممكن أ...
قاطعها بحدة أرعبتها:
ـ احنا ممكن نتناقش للصبح...بس لما الراجل اللي بره يخرج..وهو مش هيخرج إلا لما يشوف العروسة اللي جاي يشوفها...
ـ يا جمال بيه...حضرتك بتضيع وقتك...ومافيش نقاش بيني وبينك في أي موضوع...
وفجأة انزاح عن وجهه القناع المتمدن الذي يخفي قباحته وأخلاقه الفاسدة وهو يقترب منها ويقبض على ذراعها بقسوة جعلتها تصرخ من الألم:
ـ على أخر الزمن مش هتيجي مفعوصة زيك لا راحت ولا جت تمشي كلامها عليا...اتفضلي قدامي..قدمي الشاي للضيف وبعدين غوري من وشه...ولينا كلام تاني يا بنت وجدان...اتفضلي..
دفعها تتعثر أمامه..فرمقته بنظرة كارهة وهي تدلك ذراعها المكدوم...واضطرت للانصياع مجبرة..وجدت أمها بانتظارها بصينية الشاي..فأخذتها منها تحاول التماسك أمام نظراتها القلقة..دخلت الصالون حيث عاد والدها ليرتدي قناع الرجل المهيب الجذاب وهو يحاور العريس المتأنق ببذله على آخر صيحة...شعرت بغثيان شديد..كم يبدو قريب الشبه بوالدها.....
**************
انتفضت من مكانها عندما دخل والدها غرفتها بدون طرق وأدار المفتاح بالباب...واقترب منها على مهل...تماسكت أمام تقدمه..ثم شعرت بالقلق.. أمها لن تتركه يدخل إليها أبداً:
ـ هي ماما فين؟ عملت فيها إيه؟
رد بابتسامة كريهة:
ـ أمك بخير...لحد دلوقت..
ـ قصدك إيه؟
ـ قصدي أن مصلحة أمك في إيدك...أنتِ ناسية أنها لسة مراتي...دا معناه أنها لسة في قبضتي وتحت رحمتي...وأنتِ عارفة كويس...يعني إيه قبضة المستشار جمال الدين محجوب...ضروري سمعتي عني..
ـ عارفاك وحافظاك...وكل ألاعيبك القذرة وفلوسك الحرام...أيوة يا جمال بيه...عارفة..
ـ لو كنت بتحبي أمك...بلاش تبهدليها في أواخر أيامها...
ارتبكت ريتاج:
ـ تقصد إيه..أنت هتعمل فيها إيه؟..
ـ كل حاجة ممكن تتخيليها ..أو حتى متخطرش على بالك...مهنتي دي ... زي ما قلتِ ..قذرة قوي..قوي يا رورو..
ـ أنت عاوز يه مننا بالضبط؟
ـ تتجوزي العريس اللي أنا جايبه..
ردت باندفاع:
ـ ماينفعش..
ضاقت حدقتاه وهو يرمقها باستغراب:
ـ وليه يا بنت وجدان...إيه المانع؟؟
اعتصرت يديها ببعضهما بارتباك...فأردف يستحثها:
ـ ليه يا ريتاج...فيه إيه بيحصل من ورايا...عملت إيه من ورايا يمنع جوزاك من العريس؟
ـ هو أنت مافيش عندك إلا طريقة التفكير الحقيرة دي تفكر بيها...ببساطة لأني مش بحبه...معرفوش...ومن الآخر كفاية أنه جاي من طرفك...
ـ وهو كان حد جه من طرفك وأنا قلت حاجة...باقي لك سنة وتتخرجي ولسة مافيش خطوبة ولا عرسان...
ـ أنا حرة...أنا قررت أني أفضل كدة..
ـ عندك حق...أنت حرة فعلاً... وأنا كمان حر...خلي أمك تستعد للأيام السودة الجاية...
واتجه ناحية الباب ليدير المفتاح فأوقفته:
ـ استنى عندك...أنت مافيش في قلبك رحمة...أنت إيه؟؟...
نظر لها ببرود:
ـ خلاص...قلتِ كل اللي عندك...
أوقفته مرة أخرى:
ـ أنا ما ينفعش أتجوز العريس بتاعك....لأني...لأني...مخطوبة ...
ولم ترى الابتسامة الخبيثة التي داراها بمهارة وهو يلتفت إليها بقناع جديد غاضب:
ـ نعم يا روح أمك...مخطوبة لمين...وأنا رحت فين...قرطاس ولا شوال جوافة...إزاي تتخطبي من غير ما أعرف...خلاص عدمتيني أنت وامك... راجل مين داه اللي حط إيده في إيدين حريم...طلبك من مين يا بنت وجدان...طلبك من أمك....أنت وأمك هتروحوا في ستين داهية..
وفتح الباب على مصراعيه ليفاجأ بأمها واقفة خلفه ترتجف فأمسكها من مرفقها وأخذ يهزها بقوة مكملاً صراخه:
ـ بنتك اتخطبت من ورايا يا ست هانم...عملتيها من ورايا يا وجدان... الجوازة دي مش هتتم إلا على جثتي...
وقفت وجدان حائرة مرتبكة لا تعرف بما ترد حتى صاحت ريتاج أخيراً:
ـ أنا.. لسة....
التفت يحدجها بارتياب:
ـ لسة إيه..أنت بتلعبي بيا يا بت!!!
صرخت ريتاج بقوة:
ـ ماهو أنت لو سكت هتسمع...الدكتور ليث طلبني للجواز...وأنا لسة بفكر..
*************
هدأ والدها قليلاً وهو يحدجها بنظرة مرتابة:
ـ بتقولي دكتور...دكتور إيه بالظبط؟
غمغمت ريتاج وهي تشعر باحتراق داخلي لاضطرارها الموافقة على
طلب ليث بهذه الطريقة:
ـ دكتور ...دكتور عندنا في الكلية...دكتور في مادة الاقتصاد الدولي...
فكر والدها قليلاً ثم سألها:
ـ هو يقرب حاجة للدكتور سلامة عبد الجواد...
عضت ريتاج على شفتها السفلى قائلة:
ـ يبقى عمه...
فجأة جلس والدها على أحد الأرائك مضجطع براحة:
ـ طب.. دا خبر حلو...الناس دي ناس شبعانة قوي...وعندهم أشولة فلوس... وأراضي عينك متجبش آخرها...والدكتور هيجي يقابلني أمتى؟؟
أطرقت ريتاج برأسها...فنظر لوجدان التي أطرقت بدورها:
ـ إيه...هو عاوز يقضيها مشي وراندفو, ولا إيه الحكاية يا وجدان
ردت ريتاج بسرعة:
ـ ماما ملهاش دعوة...أنا لسة مرديتش على الدكتور...قلت له خليني أفكر
ـ وحضرتك فكرت.. ولا لسة؟
ـ بصراحة ...أنا...
انتفض من مكانه فأجفلت المرأتان وهو ينظر لكلتاهما نظرات مستشفة
وكأنه يحاول اكتشاف سر ما..
ـ هو إيه اللي بيحصل بالظبط...وجدان...في حاجة حصلت من ورايا...بنتك مش موافقة على العريس دا ليه...يا أما جرى ل*قلها حاجة...يا أما العريس فيه حاجة.. وأنا لازم أعرفها...وهعرفها..
صاحت ريتاج بسرعة:
ـ مافيش حاجة...كل الحكاية أني قلت له أني عاوزة مهلة لحد ما أتخرج وآخد الماجستير والدكتوراة...وبعدين...
قاطعها والدها بهدير غاضب:
ـ ماجستير إيه ودكتوراة إيه...من الآخر علشان دماغي وجعني...يا أما توافقي على العريس اللي أنا جايبه...يا على الدكتور بتاعك...مافيش اختيار ثالث...ورأيك عاوزه دلوقت حالاً...قلت إيه يا بنت وجدان..
دقيقة من ال**ت المطبق إلا من الأنفاس اللاهثة...وجه وجدان القلق المتوتر والحائر بين ابنتها والرجل الذي تكره...أكثر ما أثار دهشة ريتاج موقفها الصامت...في الأحوال العادية كانت تغضب وتحاول طرد زوجها لتدخله في أمور بيتها كما كانت تفعل دائماً...ولكن موقفها هذا كان غريباً ومريباً...هل هددها هي الأخرى؟؟
ـ أنا موافقة على الدكتور ليث...وهبلغه موافقتي بكرة...
وقف الأب زافراً براحة:
ـ عظيم.. بلغيه يجي يقابلني في مكتبي..
بصرخة أثارت استيائه:
ـ لأ...هيجي يقابلك هنا..في بيتي ...
رد بابتسامة متكبرة:
ـ وهو كذلك يا...يا ريتاج هانم...يوم الخميس الجاي قراية فتحتك على الدكتور بتاعك...خلص الكلام...
بعد خروجه تهالكت كلتاهما على المقاعد تنظران لبعضهما بذهول وكأن إعصاراً مدمراً خرج لتوه من الباب بعد أن أجال الفوضى في كل ركن من حياتهما الهادئة...تمتمت ريتاج:
ـ إيه اللي بيحصل دا؟
غمغمت وجدان باستسلام:
ـ قدر الله وماشاء فعل...والدكتور ليث أحسن من أسمه إيه دا اللي هو جايبه الله أعلم من أي داهية...
ـ بس يا ماما...اللي بيحصل دا حرام...ربنا ما يرضاش بكدة..
ضمتها أمها لص*رها تربت على رأسها:
ـ ما تنسيش أن الدكتور ليث رايدك...وكفاية أنه مش من طريق أبوكي...استهدي بالله يا بنتي وتوكلي على الله...
صاحت بصوت منتحب مخنوق:
ـ أنا كنت هوافق على ليث...بس بالطريقة دي أنا حاسة أني مجبورة عليه...معقولة يا ماما اللي بيحصل دا؟؟
رنين متواصل على هاتفه بنغمة موسيقى بتهوفن السيمفونية التاسعة...أغلق الكتاب بعصبية وأمسك الموبايل...تطلع لاسم المتصل وضاقت عيناه بضيق وانزعاج ...تمنى لو يستطيع تجاهله...وبزفرة عميقة وضع الموبايل على أذنه:
ـ نعم...
ـ بكرة...ترجع تفاتحها تاني في الموضوع...وهي هتبلغك بالتفاصيل...وزي ما اتفقنا ...
نظر للهاتف بعد إغلاق الخط...وتأمله طويلاً قبل أن يعتصره في يده ثم ألقاه بعيداً ليصطدم بالحائط مفتتاً....
فتح الباب ودخلت أمه تصيح باستغراب وقلق:
ـ لولو يا حبيبي...خير سمعت حاجة بتت**ر..
رفع رأسه المن**ة بين يديه وزفر بأنفاس لاهبة ونبرة ساخطة قائلاً من بين أسنانه:
ـ ماما..جهزي نفسك...ابنك...لولو...هيتجوز...
......يتبع......