الفصل السادس

3532 Words
الفصل السادس ـ والله أنا مش عارفة جوازة إيه المتسربعة دي...إلا يا خواتي ما جبنا مواعين...ولا حلل..ولا طقم صيني...يا دوبك شنطتين هدوم ودمتم....حتى الشقة ماشفنهاش لحد دلوقت.. كتمت ريم ضحكتها قائلة: ـ شقة إيه بس يا طنط وحلل إيه...بنتك هتعيش في فيلا في التجمع الخامس ... يعني ناس هاي قوي...وفوق قوي...والله وباضت لك في القفص يا بنت طنط وجدان... شذرت لها ريتاج من خلال المرآة ولم تدرى لماذا... ولكن عينيها ترقرقتان بالدموع فصاحت الكوافيرة بتحذير وهي تسرع بالمناديل: ـ لأ... الله يخليكي..بلاش دموع دلوقت...خلينا كدة حلوين لحد ما أسلمك لعريسك وبعدين اعملي اللي أنت عاوزاه... تمتمت ريم في أذن وجدان: ـ هو العريس شوية علشان ما كانش يخلي العروسة تتزوق في أشهر كوافير في مصر.. لوت وجدان فمها بم**صة: ـ بالله عليك يا ريم يا بنتي قولي لها.... أنا ريقي نشف معاها, وهي راسها ناشف زي الحجر الصوان..قال إيه كفاية أنه هياخدها بشنطة هدومها...يعني احنا كنا هنغصب عليه يا بنتي...الراجل **م على كدة...وقال بعضمة ل**نه إنه مش محتاج أي حاجة...وبيته مكمل من كله.. التفتت ريتاج بعينين تقدحان شراً: ـ الراجل م**مش على كدة يا ماما إلا بعد ما جمال بيه قعد معاه لوحدهم ... مش مهم أنا شكلي يبقى إيه؟...مش مهم كرامتي قدام جوزي وعيلته...المهم سيادة المستشار يعمل صفقة العمر...ي**ب قضية هو أصلاً مش طرف فيها... ربتت ريم على كتفها: ـ اهدي يا رورو ...اهدي يا حبيبتي ..وخلي الليلة دي تعدي على خير الله يخليك... رفعت رأسها لريم مردفة بصوت أهدأ: ـ أنت عارفة يا ريم...الحاجة الوحيدة اللي مصبراني ..أن ليث شاريني أنا.. وأنه مش من طرف جمال بيه... وأنه ما يعرفش أي حاجة عن اللي حصل ... لولا كدة كنت طفشت وسبت لهم البلد باللي فيها...يشوف بقى هيعمل صفقة العمر إزاي من غيري... التفتت في المرآة لتخضع من جديد للمسات الكوافيرة التي زفرت بضيق وهي تعيد تصليح زينتها مرة أخرى...فلم ترى النظرات المرتابة المتبادلة بين ريم وأمها... لم تتخيل طوال حياتها أن حفل زواجها سيكون حكاية تتحاكي بها مصر كلها...بداية من الثوب الذي اكتشفت فيما بعد أيضاً أنه وصل من باريس خصيصاً بت**يمات م** عالمي مشهور...وحتى السيارة الأسطورية التي جاء بها ليث ليأخذها من بيتها يقودها سائق خاص...وطولها يتعدى الخمسة أمتار...وحتى فرقة الزفة اللبنانية التي كانت في استقبالها في مدخل الفندق حيث كانت الحفلة الساهرة لساعات الفجر الأولى...ولكن الأكثر إبهاراً...كان ليث نفسه...بذلته البيضاء المفصلة خصيصاً على مقاساته.. فكان كأمير خرج من كتاب أكثر العرسان وسامة وجاذبية...ب*عره المصفف بعناية ونظرته العميقة الجذابة...وابتسامته القاتلة لمشاعر أي امرأة لتذوب عشقاً به... فكرت بذهول .."أيه دا..هو أنا بحبه ولا إيه...لا..لا ..لمي نفسك يا ريتاج.. الحكاية كلها استلطاف...مش أكتر...شوفي وجدان واللي حصل لها من ورا الحب...لأ مستحيل" الشيء الوحيد الذي نغص عليها فرحة تلك الليلة كان وجود والدها...الذي أخذ يتصرف وكأنه والد عادي تكاد تقتله الفرحة بزفاف ابنته الوحيدة...وهو يتحرك هنا وهناك وكأنه صاحب الفرح...وهو بالتأكيد لم يدفع فيه مليماً.. لاحظت ريتاج عينا أمها المغرورقتان بالدموع وهي تتجول تحدق في الحاضرين...فأمسكت يدها بابتسامة مطمئنة: ـ ماما..أخويا مش هنا..جمال بيه قال أنه مش هيحضر..مسافر في رحلة عمل... أومأت وجدان بقوة, وكأنها كانت تدرك في داخلها أنه ما كان ليسمح لها أن تراه أبداً...لقد تحققت أسوأ مخاوفها ..أصبح الابن نسخة من الوالد...بقساوته وفساده... ربتة رقيقة على يدها من ليث نبهتها: ـ حبيبتي ...مهاب بيشاور لي...أعتقد كفاية كدة علشان ما تتعبيش...ضيوفنا هيكملوا الحفل واحنا نروح بيتنا....أوك... أومأت برأسها بغصة قوية في حلقها...ثم سألته: ـ هي مامتك فين؟؟ تن*د قائلاً بصعوبة ونبرة حذرة: ـ ماما هتبات هنا الليلة...الفيلا هتكون ليا أنا و...أنت بس... ردت بدقات قلب مجنونة: ـ المفروض دي حاجة تطمن...مش كدة؟.. ـ بتقولي حاجة يا حبيبتي؟.. اتسعت ابتسامتها حتى كادت أن تصل لأذنيها: ـ لا يا حبيبي...زي ما أنت عاوز...وبلغ مهاب يخف شوية عليا.. تصفيق مكثف من كل المدعوين وهي وليث يركضان كعروسان هاربان وسط تصفيق وزغاريد وتهليل أصدقائهما المشتركين...لمحت أمها منزوية تلوح لها بدموع فرحة الأم التي تفقد ابنتها لتعيش حياتها...ونظرة أخرى تائهة...لم تدرك معناها... لحق بهم مهاب للسيارة: ـ ألف مب**ك مرة تانية...ريتاج خدي بالك من ليث... وما تخافيش هو اسمه بس كدة...بس الصراحة هو قطة أليفة اسأليني أنا... ـ هاخد كلامك ثقة يا دكتور...بس خف عليا شوية أنا بقيت كويسة...وبلاش كل شوية تحسسني أني لسة تحت رحمتك... هتف مازحاً: ـ بكرة تعرفي أنك تحت رحمتي أهون بكتير من دخول عرين الليث برجلك. دفعها ليث في السيارة بخشونة غريبة, وانهمك في حديث جاد مع ابن عمه ...لم تسمع منه كلمة...ولكن انقبض قلبها لملامح ليث المتجهمة وطريقته في الكلام مع مهاب...كان غاضباً عبوساً...مخيفاً فعلاً...وكأن مهاب يحاول إقناعه بشيء ما... واختتمت المناقشة في النهاية على ما يبدو بفوز ليث بالإصرار على رأيه...ومهاب يهز رأسه بأسف مشيعاً ابن عمه بنظراته وهو يلحق بعروسه. ************* لم تتوقع من شخصية رجل مثل ليث الرومانسية المفرطة...كذلك هي لم تكن شخصية خيالية طموحة للرومانسية التي لا تتواجد إلا على صفحات الروايات...ولكنها أيضاً لم تتوقع كل هذا ال**ت المطبق...من اللحظة التي انضم لها في السيارة الكبيرة بعد أن ترك ابن عمه واقفاً يرغي ويزبد, يرمقه بنظرات غاضبة...وهو سارح اً بعيداً عنها...حتى أنه أشار للسائق ينطلق بهما من دون كلمة واحدة... بمرور الوقت الصامت تكاثف الهدوء المطبق داخل السيارة وبدأت الشعور بالاختناق...أشارت له بيدها غير قادرة على إخراج أي صوت...نظر لها بدهشة مستغرباً حركاتها...فأشارت لزجاج النافذة: ـ عاوزاني أفتح الشباك...بس العربية مكيفة... جحظت عيناها وشعورها بالغثيان يتكاثف وسرعة تنفسها تزداد...فأسرع ليث بالضغط على ريموت كان جواره فانفتحت النافذة جوارها...أسرعت بإخراج رأسها لتتلقفها النسمات الباردة تلفح وجهها الساخن... أخذت تشهق بعمق حتى بدأت باستعادة أنفاسها... ابتلعت ريقها براحة وهي تعود للخلف مريحة رأسها على مساند المقاعد المخملية الحمراء...سؤال ليث البارد كاد أن يعيد إحساسها بالغثيان: ـ أنت كويسة ريتاج ...تحبي أكلم مهاب يحصلنا على الفيلا ...أو نروح للمستشفى على طول هزت رأسها بالنفي: ـ لا...مش محتاجة لدكتور...ولا مستشفى...فجأة لقيت نفسي مخنوقة...يمكن علشان مش متعودة على هوا التكيف...قلب معدتي..أنا كويسة دلوقت ... تراجع بظهره للخلف عائداً لأفكاره التي جرجرته منها... حتى اقتحمت السيارة مدخل بوابة الفيلا..وكانت المرة الأولى التي تراها فيها... أكبر مما تخيلت ...مبنى مهيب بمساحة حي بأكمله...ولكن ال**ت والهدوء حولها كان مقبض للنفس...لا يوجد أي علامة من علامات الفرح..كما هو معتاد في مثل هذه الاحتفالات...أن يزين أهل العريس بيتهم بالأنوار استعداداً لاستقبال العروس الجديدة...عاتبت نفسها " أنت أش عرفك يا بنت جسر السويس, الناس الهاي دول بيفكروا إزاي... أكيد الحاجات دي بلدي بالنسبة لهم" فتح السائق لها الباب ليمسك ليث بيدها يجرها خلفه بانزعاج بادى على ملامحه العبوس....دخل بها أبواب الفيلا المفتوحة...لتخطو بقدميها داخل حياتها الجديدة...معه...وليست محمولة بين ذراعيه كما في الروايات الرومانسية الخيالية.... ألقت نظرة عابرة على وجهه الخالي من أي انفعال ثم حدقت بموطئ أقدامها كي لا تتعثر في طيات ثوبها الطويل...وقف أمام السلم الباركية المغطى بسجاد أحمر فاخر...سخرت من نفسها..فهذا الشيء الوحيد في كل الفيلا حولها لاحظته...فلم ترى أي شيء آخر حولها...الظلام كان يعم كل مكان... ما عدا الطريق للدور العلوي عبر الدرجات الكثيرة لأعلى... أطلقت صرخة رفيعة متفاجأة عندما وجدت نفسها تطير لتستقر بين ذراعيه يحملها بخفة صاعداً لأعلى ...رمقها بنظرة تسلية: ـ كنت فاكراني هخليك تطلعي أول مرة لوحدك... لفت ذراعها حول عنقه بتردد..وأطرقت رأسها بإحراج لتخفي احمرار وجهها...وأفكارها تسخر منها "أخيراً يا ريتاج...حاجة واحدة رومانسي بتحصلك...يظهر أن عرين الأسد مش مخيف قوي...." بنبرة ساخرة كان رده الغريب على احمرارها الشديد: ـ أنت بتت**في بجد...احنا لسة عملنا حاجة... بحثت عن نفسها...ريتاج الواثقة من نفسها...التي لا يقف أحد بطريقها.. هواجسها حقائق حتى تثبت العكس...ذات الطموح العالي لعنان السماء... أين هي؟؟؟ كانت ما تزال تقف مكانها...في ذات المكان الذي أوقفها فيه بعد أن دخل بها جناحه الخاص...أمام الفراش الواسع المغطى بشراشف حريرية بيضاء.. عاد من الحمام ليجدها في نفس المكان الذي تركها فيه...بينما أخذ حماماً منعشاَ كما هو واضح... يرتدي بنطلون بيجاما فقط...ويجفف شعره المبلل بمنشفة...حدق بها باستغراب: ـ أنت مغريتيش هدومك ليه؟؟ عاوزاني أنا اللي... تراجعت محرجة: ـ لا...لا....أنا بس... حدجها بنظرة أخرى من نظراته المستفزة: ـ إيه ...خايفة؟؟ هجم عليها قبل أن تستطيع الرد يحملها للفراش ...لم تقاوم...لم تمانع... ولكنها كذلك لم تشعر بأي شيء... فهو لم يبالي بها...وكأنها مجرد جسد بين يديه...جسد للمتعة بدون أي إحساس خاص أو مراعاة...رغم خبرتها المعدومة في هذه الأمور...ولكنها كانت تسمع كثيراً أن ما يحدث بين الزوجين لابد أن يكون مشتركاً بينهم...وأن يسعى الزوج أولاً لإرضائها ... وأن ... رفعت الغطاء حتى ذقنها وأفكارها تجول كإعصار مدمر في رأسها ..تشعر بالخجل...بالدونية...بالمهانة..بامتهان أنوثتها ..بذ*حها كقربان لإتمام مراسيم الزواج. كانت ما تزال ممسكة بغطاء الفراش بدون أن يغمض لها جفن طوال الليل...خاصة وأنها وحيدة تماماً في الفراش...فزوجها لم يمكث لحظة واحدة بعد أن حولها لامرأة.... خرج من باب الحمام بذات المنظر أمس...ثم نظر لها من خلال المنشفة التي يجفف بها شعره قائلاً بنبرة ساخرة محتقرة: ـ صباحية مباركة يا عروسة... وتحرك باتجاه أحد الأبواب عندما توقف فجأة ليرمقها بنظرة أخرى: ـ ممكن تكلمي جمال بيه...وتبلغيه أني أديت واجباتي الزوجية بالتمام ومنتظر أنه يرجع لي الشيك بتاعي أبو مليون جنيه...ولا أنت عندك شكوى من واجباتي الزوجية... كل النقاط السوداء الصغيرة في الصفحة البيضاء الكبيرة...بدأت تتسع شيئاً فشيئاً أمام عينيها...حتى افترشت كل الصفحة البيضاء تماماً... ************** راجعت كلماته في عقلها مئات المرات...ولم تفهم أي شيء...حتى ساورها شك أن يكون يتحدث بلغة غير مفهومة ...حدقت بالباب المغلق الذي اختفى خلفه بعد أن بلغها رسالته بنظرات انتصار ممتزجة باحتقار بالغ, وكأنه كان يخطط لهذه اللحظات منذ اليوم الأول الذي التقاها به...ولكن الكلمة الوحيدة المفهومة تماماً... وجود اسم والدها بين مفردات هذه اللغة التي تعجز حتى الىن على فك طلاسمها....وهذا يعني شيء واحد فقط...أن جمال بيه السبب في هذه الكارثة أيضاً...ولكن ..كيف...ومتى...وما أصل هذا الشيك المليوني؟... أزاحت الغطاء عنها وأسرعت للحمام تغسل عن جسدها ما تشعر به من قذارة واحتقار للنفس...لماذا؟ لأنها سمحت بحدوث كل هذا...لو أصرت على موقفها من البداية لما وصلت لهذه المرحلة...ولكن منذ اللحظة التي دخل فيها والدها حياتها من جديد وهي تشعر بهذه الكارثة الوشيكة...أخفت وجهها بين يديها ومياه الدوش تنهمر فوق رأسها ...تتذكر نظرات أمها التي لطالما أقلقتها...الآن فقط عرفت معناها...كتمت شهقة جديدة عندما لمعت في رأسها المرة الأولى التي أقلقتها فيها نظرات أمها...لقد كانت...بعد الحادث مباشرة...أخذت تهز رأسها بهستيرية شديدة وهي تحاول منع أفكارها من التصاعد...أغلقت مص*ر المياه وارتدت ثيابها على عجل... وكانت بالطبع بعيدة كل البعد عن ملابس عروس في صبيحة زواجها... بنطلون جينز وتيشيرت أبيض بسيط...عقصت شعرها بدون تسريح, وانطلقت بعد أن عزمت على المواجهة الحاسمة...ابتلعت ريقها بصعوبة ويدها تطرق على بابه ...لحظة..اثنان..ثلاثة...لا مجيب...أعادت الطرق بصوت أعلى وأيضاً.. لا مجيب..فأدارت المقبض وفتحت الباب لتجد نفسها داخل غرفة نوم شبيهة بغرفتها إلا من الألوان...غرفتها وردية اللون في كل د*كوراتها وألوانها...أما غرفته فكانت ذكورية بكل ما فيها..ولكن على نحو راق باختلاط اللونين الأزرق بالأخضر في تناغم جميل...ولكنه لم يكن موجوداً... خرجت من الغرفة تبحث عنه في كل مكان...انتبهت أن الفيلا خالية تماماً..معلوماتها أن مثل هذه الأماكن يخدمها جيش من الخدم...ولكن..لا يبدو أن أحداً غيرها موجود...سمعت أصوات مياه ...بحثت عن طريق الخروج من الفيلا لتجد نفسها أمام حمام سباحة على شكل كلية... وهو كان يسبح بانسجام هائل وكأنه لم يلق قنبلة لتوه في حياتها لونتها بكل الألوان القاتمة في الدنيا ... وقفت بانتظاره حتى خرج الماء يتقاطر من كل مكان بجسده الأسمر الممشوق... رغم أنه عرفها بكل جزء بجسدها...ولكنها لأول مرة تلاحظ جسده العضلي القوي...أشاحت عنه بألم مدركة الآن فقط سبب كل الكدمات في أنحاء جسدها... ـ كنتِ عاوزة حاجة..؟ ولا جاية تراقبيني وأنا ...كدة.؟؟؟. لم تسمح له بإحراجها فتجاوزت إحساسها المخزي وبادرت بالهجوم: ـ أنا عاوزة أفهم إيه الكلام اللي أنت قلته دا...وشيك إيه اللي بتتكلم عنه... وجمال الدين ماله ومال اللي أنت بتقوله؟.. أطلق قهقهة عالية طويلة.. لم يبالي بشحوبها...ولا بذهولها وهو يكمل ساخراً: ـ سيادة المستشار جمال الدين بتاعك هو السبب في كل حاجة حصلت ... وهو اللي رسم كل الخطة الجهنمية دي اللي كانت نتيجتها وجودك أنتِ هنا دلوقتي...وطبعاً بالاشتراك معاك...بنته...مش بيقولوا الولد سر أبوه...أنتِ أثبتِ أن البنت سر أبوها...تصدقي أني افتكرت أن سبب الصفقة دي كلها أن العروسة معيوبة...بس أنت أدهشتيني...بعد ليلة امبارح اكتشفت أني كنت غلطان..بس معرفتش سبب الصفقة اللي عملها أبوك لحد دلوقت... بعد ما أخذ تعويض الحادث...وأجبرني على توقيع شيك تاني مش هستلمه إلا لما أتجوز بنته...كجزء من التعويض... غير شيك تاني بمليون جنيه كمان مؤخر... لو طلقت حضرتك... تمتمت بصوت خالي من أي لمسة حياة وكأنها ترى النقاط تتراص في تسابق محموم فوق الحروف التي ظلت فترة طويلة بلا معنى: ـ أخد منك كام؟..تعويض.؟؟ أجابها بنبرته المحتقرة وكأنه لا يصدق ادعاءها بعدم المعرفة: ـ ليه ..حضرتك ما شفتيش حسابك في البنك وصل لكام ... رفعت عينيها المحمرتان من الغضب والقهر وتمتمت بكلمات غير مفهومة... ثم ردت بعد محاولة التقاط أنفاسها: ـ ليه ما قولتليش؟... نشب أصابعه في مرفقهيا بطريقة مؤلمة وهو يصرخ بصوت فاقد السيطرة: ـ كفاية تمثيل بقى...كفاية..بتمثلي دور البنت الساذجة البريئة من أكتر من تسع شهور لما فاض بيا...الحاجة الوحيدة اللي كنت صادقة فيها لما خبطك بعربيتي...كان رد فعلك مثالي جداً..رغم إني وقتها كنت فاكرك بتمثلي...بس لما شفت التمثيل الحقيقي عرفت أني لسة في سنة أولى بالنسبة لحضرتك.... ويمكن كمان كنتِ مدبرة الحادثة مع أبوك..يمكن مكانش قصدك أن الحادثة تتطور وتفقدي كليتك...بس كله مصلحة... وكله فايدة...وعلشان ما أدخلش السجن... اضطريت أدفع غرامة وأتجوزك... أبوكِ..قرش المحاكم المعروف... أخد كل مليم طلبه..بس بمزاجي..علشان أنا ناوي من النهاردة....أخليه يندم على كل لحظة فكر فيها يبتزني...كلميه في التليفون وخليه يبعت الشيك فوراً...وإلا..... هذه المرة كانت الدهشة من نصيبه وهي تقهقه ضاحكة حتى دمعت عيناها ... وما لاحظه أيضاً أنها لا تضحك من السعادة كما تخيل: ـ عارف أنا بضحك على إيه يا ليث بيه...على سذاجتك.. اتفضل اتصل بيه بنفسك..اتفاقك كان معاه مش معايا... حضرتك تقدر تكلمه بنفسك وتطلب الشيك بتاعك...لو لقيته.. همت بالانصراف عندما أوقفها بصوت راعد: ـ قصدك إيه بكلمة لو لقيته...هيروح فين؟؟ رفعت كتفيها بعدم المعرفة: ـ أكيد معرفش...ولا أي حد هيعرف...ممكن تطلب من السواق بتاعك يوصلني. ـ على فين العزم يا مدام؟ ـ أعتقد بعد كل اللي قلناه مافيش لزوم لــ... قهقه مقاطعاً: ـ مافيش لزوم لإيه بالضبط؟...إحنا اتجوزنا امبارح...وهنفضل متجوزين لحد ما أنا أقولك مع السلامة...يعني بمزاجي...ولو مش عاجبك كلامي ممكن حضرتك تجربي...ومن بكرة هرفع عليكِ قضية طاعة...واللي عمله أبوكِ في أمك هيكون نقطة في بحر من اللي هعمله فيكي يا ريتاج.. *********** كانت كالعصفور الحبيس قفص ذهبي...حتى أمها لم تستطع الوصول إليها.. تليفونها خارج نطاق الخدمة أو مغلق...شعرت أنها حفرت الأرض من كثرة حركتها الدائبة المتكررة في نفس المكان...يكاد عقلها يحترق من التفكير... وألم ماضي يخترق أضلاعها وصولاً لقلبها...شعورها بالخيانة لا يوصف...خاصة أنه من أقرب الناس إليها. فجأة توقف عقلها عن التفكير وقررت أن صبرها احترق لآخر قشة أمكنها التمسك بها.... والتعقل لم يعد له وجود بعد كل ما حدث... نزعت حقيبتها من مكانها وانطلقت بعد أن وضعتها على كتفها بعزم...لابد أن تحصل على أجوبة الليلة... وقفت متحفزة عندما وجدته أمامها يتص*ر باب الغرفة: ـ على فين العزم يا مدام؟ ـ أوعى تكون مصدق نفسك...أو مصدق أنك ممكن فعلاً تخليني على ذمتك غصب عني...أو ممكن قضبان سجنك الذهبية تقدر تمنع عني حريتي...أنت بتحلم يا دكتور....بتحلم...إوعى من وشي قبل ما أرتكب جناية... تنحى جانباً فانطلقت من جواره حابسة أنفاسها كي لا تلمسه...فمجرد إحساسها بوجوده بنظراته الهازئة المحتقرة يقلب كيانها...أي تأثير هذا الذي له عليها؟؟ أوقفها بنبرة صوته المهددة ليثبت أنه المنتصر في هذه الجولة أيضاً: ـ مسافة الطريق من هنا لجسر السويس وبالعكس...متتأخريش...السواق منتظرك برة..ثم صفق الباب بوجهها قبل أن تنطق بالرد اللاذع الذي تتراقص حروفه الحارقة على طرف ل**نها. حدقت لحظات بالباب واغرورقت عيناها بدموع الإن**ار...ترنحت ثم استعادت توازنها تحث الخطى للخروج. كان السائق ينتظرها فاتحاً لها الباب باحترام...دخلت بهدوء...أغلق الباب خلفها, وانطلق وكأنه على علم مسبق بوجهتها... طوال الطريق ...كانت المشاهد تتابع أمامها من النافذة ..فلم تدري كم مر من الوقت...لم تدرك إن كان الوقت تأخر أم لا...وقفت السيارة أمام الشارع الذي تسكن فيه: ـ ولا مؤاخذة يا ست هانم...أنا أول مرة أجي هنا...ممكن حضرتك قولي لي فين البيت بالضبط؟... نزلت من السيارة قائلة: ـ مش مهم...أنا هكمل من هنا ...ممكن أنت ترجع دلوقت.. وقف السائق حائراً مرتبكاً: ـ بس ...يا ست هانم...الدكتور ليث مأكد عليا أني أفضل مستني حضرتك.. رفعت أكتافها بلامبالاة: ـ خلاص أنت حر...بس هتقعد تستنى كتير على فكرة ... لأني مش راجعة لا ليك ولا للدكتور بتاعك... وأسرعت بخطواتها نحو بيتها والذي لم يبعد سوى أربع عمارات فقط داخل الشارع... صعدت درجات السلم مثنى وثلاث بسرعة ولهفة شديدة لتسمع مبررات أمها ... وأخذت تطرق على الباب بعد أن اكتشفت أن مفتاحها ليس في حقيبتها ... تجاوزت غرابة هذا الأمر وأخذت تض*ب بكلتا يديها على الباب ...وعندما طال انتظارها وقفت تنظر للباب المغلق بانهيار وشيك ودموع على أعتاب الانهمار...انفتح الباب المقابل للجيران لتشهق الجارة: ـ يا نهار ألوان...أنت رجعت يا ريتاج...خير كفاالله الشر يا بنتي..دي النهاردة لسة صباحيتك؟؟ حاولت ريتاج التماسك وهي تسألها بصوت مخنوق منتحب: ـ ماما فين يا طنط زيزي..مش بترد ليه؟ ـ أمك يا بنتي سافرت...أبوك اسم النبي حارسه جه النهاردة الصبح وخدها ومشي.. يظهر والله أعلم أن ربنا هدى سرهم واتصالحوا ...والله أمك غلكانة يا ريتاج يا بنتي....فيها إيه يعني لما كانت تقولنا هو احنا مش هنفرح لها...ولا يعني مش هنفرح لها....وقال إيه سلموا مفتاح الشقة لصاحب البيت .. تراجعت ريتاج مترنحة حتى أوقفها باب شقتها المغلق وهي تسألها: ـ أنت بتقولي إيه...أنت عارفة كويس أن ماما مش ممكن تسيب بيتها...ومن رابع المستحيلات أنها تروح مع بـ..جمال بيه ولا تتصالح معاه. ..ما أنت عارفة كل حاجة يا طنط زيزي ـ أيوة والنبي يا بنتي عندك حق...بس قلت يمكن أبوكي اتصلح حاله وندم على عمايله السودا وامك ست غلبانة ومن**رة كلمتين حلوين من أبوكي يمكن يدوروا دماغها... ـ لا يا طنط...مستحيل....أكيد في حاجة مش مظبوطة فكرت زيزي قليلاً ثم شهقت: ـ إيوة والنبي صحيح يا بت يا رورو....يمكن علشان كدة كانت الست والدتك زي التايهة ...حتى مردتش عليا لما سلمت عليها..رورو...يا رورو راحة فين طب ردي عليا سيباني بهاتي كدة وواخدة في وشك...هتجيبيه من برة...عجبي عليكم جيران...واحنا مالنا...دع الخلق للخالق. لم تعرف كيف وصلت للشارع... لم تشعر بخطواتها ولا بمن حولها...حتى انتبهت لمن يمسك بذراعها ويلح عليها في السؤال: ـ مدام ريتاج...مدام...أنت كويسة؟؟... حركت رأسها ببطيء لترى وجه السائق الشاب لا يزال يناديها...وعندما لم ترد عليها أمسكها يساندها حتى أدخلها السيارة وأغلق الباب وأسرع لعجلة القيادة...نظر في المرآة يتطلع نحوها بقلق...كانت تنظر حولها بذهول كأنها في عالم آخر... ولكنها شعرت بالسيارة تتحرك ...رفعت رأسها تطلعت له في المرآة قائلة بحزم بعيد كل البعد عن حالة التخاذل التي سيطرت عليها منذ لحظات: اطلع على مدينة نصر...الحي السابع.. ـ مدينة نصر؟؟؟ أومأت برأسها وهي تعود لحالة السبات؟؟ دقائق قليلة وتوقفت السيارة ....أدار السائق رأسه: ـ وصلنا يا مدام... همت بالخروج عندما سألها: ـ أمشي ولا أستناكي... ردت بلا مبالاة وهي تغادر مسرعة: ـ اعمل اللي أنت عاوزه... وأسرعت بالدخول في العمارة الفاخرة ولحسن حظها كان المصعد فارغ وكأنه بانتظارها...ضغطت على رقم الطابق...واستعدت لرحلة الصعود... شعرت ببوادر الأمل عندما وجدت الباب مفتوح فور خروجها من المصعد... أسرعت بالدخول...رمقها السكرتير المتص*ر مكتبه الباب..فسألته بلهجة جافة: ـ فين اللي مشغلك؟ رد الرجل بهدوء: ـ اتفضلي ارتاحي...وقولي عاوزة إيه بالراحة...حضرتك عندك قضية وعاوزة فيها الأستاذ... ـ لأ... أنا عاوزة الأستاذ بتاعك بنفسه هو فين..اتكلم انطق..... وقف السكرتير وقد بدأ وجهه يحتقن من الغضب: ـ هو حضرتك عاوزة إيه بالظبط...أنا قلت لك إن سيادة المستشار مش موجود...لو عندك قضية..؟ صرخت بحدة وقد فقدت أعصابها: ـ أنا لا عندي قضية ولا زفت...الأستاذ بتاعك مكتوب في شهادة ميلادي أنه أبويا... أرتحت دلوقت؟.. احمر وجهه محرجاً: ـ حضرتك الآنسة ...قصدي مدام ريتاج...أهلاً وسهلاً...أنا آسف يا فندم والله ما أخدت بالي... عقدت ذراعيها على ص*رها قائلة وهي تعض على شفتها السفلية بتوتر: ـ ممكن تقولي دلوقت أقدر ألاقي حضرته فين؟ ـ في روســيا... ـ نعم... ـ بقول لحضرتك سافر روسيا...لحضور مؤتمر .... قاطعته بصوت مخنوق من البكاء الوشيك: ـ ومعاه...حد؟...مـامـا..مـعاه؟.. هز الرجل رأسه بالنفي: ـ لا والله...أنا وصلته الصبح لحد المطار... وكان لوحده... جلست منهارة على أقرب مقعد فأسرع نحوها بقلق: ـ مدام ريتاج...أنت بخير؟.. رفعت رأسها ترمقه بنظرة من**رة: ـ تعرف مكان ياسر؟... ـ أيوة طبعاً..سافر الأسبوع اللي فات لأمريكا..السيد الوالد كلفه ينهي صفقة كان بدأها حضرته... واحتاجت لشوية مفاوضات...مدام ريتاج..مدام... ولم تتوقف لندائه. كانت تهرب...تهرب من حلقة النار التي استحكمت حولها...من الطوق الحديدي الذي وضعه لها والدها في عنقها ليتحكم بها...أخيراً جائته الفرصة التي يتوق لها منذ تحدته وجدان, وأخذتها منه وتركت له الولد...لم ينسها أبداً..ولم ينس أنها أول قضية يخسرها في حياته...والآن فقط يأخذ بثأره... استقبلها السائق بفتح باب السيارة على اتساعها...نظرت برعب ..وتلفتت حولها...ولم تكن كثيراً من الخيارات مفتوحة أمامها...إما السجن الذهبي مع زوجها الدكتور ليث عبد الجواد وانتقامه الأسود...أو الشارع...وحيدة بعد أن أضاعت أمها...وتاهت مع أحلامها وسط معركة لم تحسب لها حساب...رغم حذرها الشديد منذ وعت على الدنيا, وعرفت من هو والدها فعلاً وسبب عدم وجوده في البيت مثل أي أب طبيعي...لأنه فعلاً ليس كأي أب طبيعي.. انزلقت مستسلمة داخل السيارة كمن يساق للموت مكفراً عن ذنب لم يرتكبه, أغلق الساق الباب خلفها وأسرع لمكانه خلف عجلة القيادة...نظر في المرآة يسألها قبل أن ينطلق: ـ على التجمع الخامس...؟ أجابته بهزة خفيفة من رأسها وهي تغمض عينيها تكبح دموعها وآلامها... تساؤلات كثيرة توخز عقلها...ما الذي حدث؟؟ متى عرف أبوها عن الحادث؟ لماذا أخفت عنها أمها؟ أين اختفت...ولماذا وافقته..لماذا يا وجدان ..لماذا؟ انتبهت لتوقف السيارة وانفتاح الباب...وظل السائق ينبهها لوقوفه بانتظارها ...ألقت نظرة مشمئزة على سجنها الذهبي...والذي لسذاجتها الشديدة رأته ليلة أمس مكان ساحر لتقضي فيه باقي أيام حياتها, بالود والتفاهم بعددلَبِنات الحب التي ستبنيها مع زوجها العاشق...ليث...لا تكذبي على نفسك يا ريتاج .. ليث لم يمنحك يوماً شعوراً خاصاً أنه عاشقك...كنت بالنسبة له مجرد عروس مناسبة...حتى لو كانت أمه تقا**ها في كل مرة بنظرات متعالية...الآن عرفت لماذا تقبلتها على مضض...بسبب جمال بيه وتهديداته بسجن ابنها ... أبوها جنى الملايين...وليث أنقذ نفسه من السجن...ويعيش حياته برد الصاع صاعين لأبوها في شخصها... ترجلت من السيارة عندما وصلتها زفرات السائق النافذة... أومأت له بشرود ودخلت لقفصها بقدميها... الفيلا على اتساعها كانت باردة...أسرت القشعريرة في جسدها المرتجف ... كان ليث بانتظارها في غرفة المعيشة مضجعاً بتكبر على مقعد الفوتيه الضخم الذي يميز طقم الأنتريه الأنيق...خلع عنه نظارات القراءة ووضع الكتاب جانباً...ليشملها بنظرات فوقية: ـ أبوك مش بيرد على اتصالاتي...اتفقت معاه على إيه؟؟ ظلت واقفة بساقين بالكاد ثابتتين مكانها تشعر كأنها تلميذة تتلقى عقاب من أستاذها: ـ جمال بيه...سافر روسيا...لحضور مؤتمر.. ـ يعني طبختوها سوا...مش كدة..وطبعاً علشان أتخلص منك لازم أدفع كمان المؤخر وأتنازل عن الشيك...فعلاً اللي وصفوه بسمكة قرش وصفوه صح... بس يا ترى أنت هيسموك إيه...بهالة البراءة المحيطة بيك...وفاكرة أن كل الناس مصدقينها...أنا بس عرفتك على حقيقتك من أول لحظة...يكون في معلومك...شوية الملاييين اللي أبوك فاكر أنه نصب عليا فيهم دول في جزمتي...مجرد فكة بدفعها لما أحب أتسلى أو أسافر فسحة...وفي حالتك هعتبرهم تمن...تمن متعتي في السرير...يمكن تكوني أغلى شوية عن الأسعار المعترف عليها للناس اللي من صنفك... بس أنا عارف إزاي هخلي التمن يساوي الصفقة... .....يتبع...
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD