ريتاج
ونفذ ليث تهديداته تماماً كما توعدها...لم تكن له زوجة إلا في ظلام الليل.. يأخذ منها كل حقوقه الشرعية بنفس الطريقة الخالية من أي احترام لأنوثتها ... أو رغباتها...يستعملها لإرضاء نفسه ونزواته, ثم يلقيها جانباً كمحرمة تم استعمالها ولا لزوم لها...امتهن آدميتها ...وهي لم تشعر أنها حتى ترغب بالدفاع عن نفسها...وفي النهار ..تعامل كأقل من أي خادمة...بعد عودة أمه للفيلا ....بعد أسبوع عاد الخدم وكأنهم يتبعون تعليمات صارمة بتجاهلها تماماً...فلا يمكنها حتى أن تطلب من أي خادمة كوب ماء...لا يتم دعوتها لأي وجبة غذاء بينما يجتمع مع أمه في كل الوجبات على السفرة العامرة... وإذا شعرت بالجوع تذهب للمطبخ وتعد لها ساندويتش جبنة وسط نظرات الخدم المستنكرة...حتى انتابها إحساس ذات يوم أنها ربما أصبحت خفية... فأوقفت أحدى الخادمات باعتراض طريقها صارخة بحدة:
ـ أنت مش بتردي عليا ليه...أنا مش بكلمك؟...
أطرقت الفتاة رأسها متمتمة بخجل:
ـ أنا آسفة يا مدام...ما أخدتش بالي...حضرتك عاوزة مني حاجة؟
ـ لأ...اتفضلي غوري من وشي..مش عاوزة أي حاجة من أي حد...
أسرعت لغرفتها تختبئ فيها...وقفت أمام الفراش..وتراجعت مرعوبة...فهي لم تعد تطيق مجرد رؤيته...فوقه يتم ذ*ح كيانها كأنثى كل ليلة... بدون أي مشاعر أو أحاسيس...جلست على الأريكة في الطرف المقابل للفراش تحدق فيه بريبة وكأنه سينقض عليها...وأمسكت بهاتفها تحاول ربما للمرة المليون الاتصال بتليفون أمها المغلق...حتى كرهت ذلك الصوت الذي يخبرها في كل مرة أن التليفون مغلق أو غير متاح...
تمتمت لنفسها بصوت وكأنه مسه الجنون:
ـ أنت فين يا ريتاج...أنت فين...ليه تسمحي له...ليه تستسلمي...مش هو اللي دبحك...
ولا أبوك اللي باعك..ولا أمك اللي اتخلت عنك...أنت اللي عملتي كدة في نفسك...أنت فين..يا ريتاج...حاجة واحدة بس هي اللي باقية... طموحك أوعي تنسيه...باقي سنة واحدة بس...سنة واحدة و....
وقفت تتلفت حولها ثم أسرعت للدولاب...وبحماس يصحو من بين أنقاضه أخذت تبحث عن كتبها وقد تملكتها حمى الحماس المفاجيء حتى وجدتهم في أحد الحقائب كما رتبتهم لها أمها...
أخذت نفس عميق وهي تفترش الأرض بكتبها.... حتى أنها وجدت اللاب توب...وتعجبت كيف نسيته في غمرة ما حصل لها من أحداث...
أخيراً... ابتسامة وجدت طريقها لشفتيها وهي تستعيد أيام الدراسة وذكرياتها بين صفحات كتبها...وفجأة.. وجدت ظرف غريب مكتوب عليه أسمها...بدون أي عنوان أو حتى طابع بوسطة...ارتعشت عندما عرفت خط أمها...أسرعت بفتحه ودموعها تسبقها...وبلهفة أخذت تقرأ الكلمات ..
بسم الله الرحمن الرحيم..
"ريتاج ..بنتي حبيبتي...أنا عارفة يا ضنايا حالتك دلوقت...عاوزاك تسامحيني يا رورو... مكنتش أقدر أعمل غير اللي عملته علشان أحميكي
لما لقيت أبوكي فوق راسي يوم الحادثة بتاعتك زي القضا المستعجل... حسيت أن الحكاية مش هتعدي على خير...ومكنتش عارفة أعمل إيه علشان أحميكي من أطماعه اللي زي البير ملهاش قرار....هددني أنه هيخ*فك وياخدك عنده ويجوزك واحد من الكلاب بتوعه...خفت عليكي يا رورو... لقيت أن خطته علشان يجوزك الدكتور ليث أهون بكتير من المصير اللي بيخطط ليه علشانك...ولأول مرة في حياتي أغمض عيني على تصرفاته الحقيرة وأنا بتقطع من جوايا...سامحيني يا رورو..مش هقدر أقولك الكلام دا لأني خجلانة من اللي عملته...أكيد أنت زعلانة مني دلوقت ..بس أوعدك أول ما تسامحيني هعمل لك حلة محشي ورق عنب...اللي بتحبيها وهاجي لك أنا وأنت نفرش في جونينة الفيلا بتاعة درية هانم وناكلها سوا... اضحكي يا رورو...بالله عليكي تضحكي يا بنتي وتسامحيني وتعيشي مع جوزك بما يرضي الله...
ضمت ريتاج الرسالة لص*رها بقوة لتشعر أنها تحتضن أمها متمتمة:
ـ مسمحاك يا وجدان...مسمحاك...يا ترى عمل فيك إيه؟؟ يا ترى أنت فين؟...
دخل ليث في آخر الليل موعده الثابت الذي لا يتأخر عنه... ليفاجأ بالكتب المنتشرة في كل مكان على الأرض وهي جالسة في المنتصف وعلى ركبتيها اللاب توب منشغلة تماماً بتصفحه:
ـ إيه اللي بيحصل هنا؟؟ وإيه دا؟؟
ردت بدون أن تلتفت ناحيته:
ـ زي ما حضرتك شايف...بذاكر
ردد كلمتها باحتقار:
ـ بتذاكري..بتذاكري إيه؟..
ـ حضرتك ناسي أني في البكالولوريوس السنة دي..ولازم أخذ تقدير السنة دي علشان أبدأ رسالة الماجستير...
قهقهته المجلجلة أوقفت أصابعها على لوحة الكي بورد وهي تحدق فيه بصدمة:
ـ أنت بتضحك على إيه؟
ـ عليكي طبعاً...مين قالك أني هسمح لك تخرجي من بوابة الفيلا علشان تحضري محاضرات...ولا تاخدي البكالوريوس..ولا الماجستير...أنت بتحلمي يا مدام...حضرتك موجودة هنا لسبب واحد بس...لمتعتي...وأنا لسة مسمحتش ليكي بأي حاجة تانية...
وقفت أمامه تتأمله بذهول:
ـ أنت متقدرش تمنعني من أني أكمل تعليمي...لا...
صرخ بجبروت:
ـ وليه مقدرش...أنا أقدر أعمل أي حاجة تخطر على بالي...مثلاً أنا على بالي دلوقت أني أقطع كل كتبك ...وبعدها هدومك...وأعمل اللي بعمله فيكي كل ليلة فوق كتبك وأحلامك وكل طموحاتك...مين هيقدر يمنعني؟...
وقفت أمامه تتحداه:
ـ لو فاكر نفسك كبير يا دكتور ليث ومحدش يقدر يقف قدامك.. افتكر أن ربنا أكبر منك ويقدر ياخد حقي منك...
جذبها بعنف من مرفقها مسبباً لها كدمات جديدة ثم دفعها لتسقط على كتبها المفترشة الأرض وهجم عليها مستخدماً قوته للسيطرة على مقاومتها...وكعادته نفذ كل حرف من تهديداته..انتهكها مرة أخرى... حطم كل آمالها وطموحاتها بسيطرته واحتقاره لها وجعله ترى نفسها لا شيء..مجرد جسد لا قيمة له...اشتراه لمتعته...
ثم تركها بين كتبها وغادر عائداً لغرفته...
لم يراها تعاني... ربما رآها وتجاهلها...ربما ظنها تمثل لاستدرار شفقته... ولكنها كانت أبعد ما تكون عن كل أفكاره.....
كانت تتمرغ بين كتبها متلوية من الألم المبرح في خصرها حتى فقدت الوعي...دون أن يشعر بها أحد...أي أحد...
الحلقة العشرون
**************
لم يدر لم ساوره القلق عليها...هي لا تستحق ذرة تفكير منه...لا تستحق إلا أن تعامل كبنات الشوارع كما باعها أبوها له...ولكنه لأول مرة يساوره ذلك الشعور المقيت أنه ربما تجاوز الحدود معها قليلاً...لإقد كانت بين يديه كالخرقة البالية لا تقاوم ولا تدافع كما أن جسدها كان شديد البرودة...الآن فقط تذكر بعد زوال غضبه الذي أشعلت فتيله بوجودها بين كتبها كأنها تمارس حياتها الطبيعية بعد أن تسببت هي ووالدها النصاب بكل هذه الفوضى...تذكر أول مرة التقي بها...لقد أحب اندفاعها... ثورتها..كما أحب مقاومتها لمعاملته لها...لم تخضع أبداً بإرادتها...كأنها تملك داخل ذلك الجسد الواهن قوة جبارة...أحب طموحها وسعيها للخروج مما هي فيه.... ولكنه أبداً لم ينس تمثيليتها الحقيرة... وابتزاز والدها له...
فتح الباب برفق يختلس النظر إليها...كانت ما تزال مكانها حيث تركها ممزقة الثياب...ملقاة على الأرض بدون حركة...انتظر للحظات..لم يص*ر منها أي بادرة توحي أنها بخير...شعر بالغضب لقلقه الزائد...ربما تدعي المرض مرة أخرى...
ازداد اقتراباً ليتأكد أنها فاقدة الوعي بالفعل ...حملها ووضعها على الفراش يتأمل ملامحها الشاحبة ب*عور هائل بالذنب...تركها على مضض ليتصل بابن عمه ليطلب منه سرعة الحضور...ثم نظر لها وهو يمسح وجهه المتعرق براحة يده ثم حركها ليتخلل بأصابعه شعره المشعث معيداً إياه للخلف.
ألقى نظرة على الفوضى من حوله... عاد يحملها مدمدماً بكلمات غاضبة وأدخلها غرفته وبرفق شديد وكأنها مصنوعة من زجاج وضعها على فراشه.. بدل لها ثيابها الممزقة بقميص نوم محتشم لتزداد دقات قلبه هلعاً ويده تلمس جلدها البارد كالثلج...والكدمات الزرقاء في كل مكان دليل دامغ على وحشيته....أغمض عينيه وكأنه يرفض رؤية نفسه ونتائج تصرفاته...مهما كانت مبرراته مقنعة ومنطقية وقتها ولكنه الآن يخشى مجرد النظر في المرآة...
عاد ليتصل بمهاب يتعجله فوجده قد وصل أمام بوابة الفيلا...أوصد غرفتها بالمفتاح وأدخل مهاب لغرفته...دخل قلقاً:
ـ إيه اللي حصل؟...
أطرق ليث برأسه:
ـ مش عارف...كنا..يعني..كنا...
تن*د مهاب وهو يتفحص عينيها:
ـ أيوة فهمت وبعدين...
ـ مش عارف...فجأة لقيتها غايبة عن الوعي...
استمر مهاب بفحصها وهو يقول بزفرات ضيق:
ـ أنت عارف أنها فوتت معاد المراجعة بتاعها الشهر دا؟؟ كان لازم تكون موجودة علشان الفحص الدوري...ليث...هي مراتك مش بتاكل هي نحيفة كدة ليه... دي خست كتير من يوم الفرح؟؟...
رفع أكتافه بعدم المعرفة:
ـ مش عارف...أكيد بتاكل...
التفت مهاب نحوه ببطيء مصدوم من إجابة ابن عمه:
ـ ويا ترى تعرف إذا كانت بتاخد أدويتها في معادها ولا لأ؟...
ـ أدوية إيه؟؟
تلفت مهاب حوله يبحث بعينيه عن قناني الأدوية ثم عاد لابن عمه بنبرة حادة:
ـ مراتك يا دكتور بتاخد أدوية متقدرش تستغني عنها...بعد العملية اللي استأصلنا فيها الكلية بتاعتها بعد الحادث....حضرتك فاكر كل التفاصيل دي ولا ناسيها كمان...متجوزها بقالك شهرين ومتعرفش أن كانت بتاخد أدوية ولا لأ؟...
نظر ليث لباب غرفتها وتن*د:
ـ هروح أشوف في أوضتها...
لاحقه مهاب بنظراته ولاحظه يفتح الغرفة بمفتاح ثم يغيب بالداخل...
لحق به غير مصدق ما يحدث... ورغب أن يعرف المزيد مما يبدوا أن ابن عمه يخفيه...كان ليث يدور حوله يبحث عن أي أدوية عندما فاجأه مهاب خلفه:
ـ إيه اللي بيحصل يا ليث؟ فيه إيه...وإيه الفوضى دي...أنت عملت إيه في مراتك علشان توصل للحالة دي..؟؟
التفت ليث لابن عمه شاحباً وصرخ بغضب:
ـ أنت إيه اللي دخلك هنا...لو سمحت أخرج...وعلى فكرة..مافيش أي أدوية هنا..اتفضل نرجع لها..
تسمر مهاب في مكانه:
ـ مش هتحرك قبل ما أعرف إيه اللي بيحصل بالضبط ؟؟؟أنت بتعمل إيه في المسكينة دي؟..
ـ هه..مسكينة...المسكينة دي سرقت مني هي وأبوها تلاتة مليون جنيه ...
ـ وأنت بتاخد حقك منها.. مقدرتش على أبوها...وقدرت عليها هي... يا دكتور يا محترم...
ـ أرجوك يا مهاب أنت متعرفش أي حاجة...متدخلش بيني وبين مراتي..أنا غلطان أني طلبت منك تيجي...لو سمحت اتفضل من غير مطرود وهتصل بدكتور غيرك ما يتدخلش في اللي مالوش فيه..
أمسكه مهاب من ذراعه قبل أن يغادر الغرفة وهدده بصوت خافت:
ـ أقسم بالله يا ليث لو ما اتقيت الله في المسكينة دي لأبلغ عنك بنفسي... والدكتور اللي أنت هتجيبه بدالي...لو عنده ضمير وشاف اللي أنا شفته الليلة لازم يبيتك في السجن...ثم نفض ذراعه وكأنه يتخلص من شيء كريه...وعاد أدراجه ليكمل علاج مريضته...
وقف ليث بعيداً عنهما يراقب ابن عمه يحقن زوجته بحقن في الوريد... ويقيس ضغطها وحرارتها...ثم يتن*د بغضب مكبوت محدثاً ليث بينما يراقب الجسد الخاوي أمامه من أي معالم حياة:
ـ أنت مين؟...أنت عمرك ما كنت قاسي للدرجة دي..
وقف ليكون بمواجهته مكملاً هجومه:
ـ إيه اللي حصل لك يا ليث؟...من بين أولاد عمي كنت أرق واحد فينا ...الوحيد الحنين مع البنات...جبت القسوة دي كلها منين...وعلى مين؟. . لمخلوقة اتسببت لها بعاهة مستديمة
رفع ليث حاجبيه باستهزاء:
ـ أبوها قالي بعضمة ل**نه...هو كان متفق مع بنته على الحادثة...عاوزني أعامل واحدة زيها إزاي...دي أحط مخلوقة ممكن أفكر أني أحترمها كزوجة...
فتحت عيناها ببطيء... ثم رمشت بقوة عندما صدمتها أشعة الشمس المسلطة على وجهها...أغمضتهما بقوة وعادت لتفتحهما ببطيء من جديد حتى اعتادت عيناها على الضوء المبهر...تلفتت حولها باستغراب...وأول سؤال تبادر لذهنها:
ـ أنا فين؟؟
ـ أنت في بيتك يا ريتاج
شهقت وهي تحدق بالوجه الغريب الجالس جوار فراشها...ثم هدأت عندما استوعبت من يكون:
ـ دكتور مهاب؟؟
ـ حمد الله على سلامتك
مسحت وجهها بيديها تتلفت حولها بدهشة:
ـ ليه..إيه اللي حصل؟..
تن*د مهاب بتساؤل عاتب:
ـ أنت آخر مرة أخدت فيها الدوا كان أمتى يا ريتاج؟؟
أحمر وجها بإحراج تداري وجهها للناحية الأخرى:
ـ بصراحة..مش فاكرة..هو أنا فين؟؟
كانت قد انتبهت برعب لد*كورات الغرفة المختلفة عن غرفتها!!
جاء الرد الصارم من فوق مهاب:
ـ في أوضتي...عندك مانع...
لاحظ مهاب انكماشها فزجر ابن عمه:
ـ لو سمحت يا ليث..ممكن تطلب لنا صينية فطار...أنا جعان وزمان مراتك واقعة من الجوع...صح يا ريتاج...؟
اختلست نظرة للمتكبر النافذ الصبر ثم هزت رأسها بالنفي:
ـ لأ... أنا مش جعانة...
أمسك يديها المرتعشتان يحاول طمأنتها:
ـ بس أنت لازم تاكلي علشان الأدوية بتاعتك...ما ينفعش تاخديها على معدة فاضية...أنا بعت جبت لك كل أدويتك على حسابي...علشان يبقى لي فضل على ليث ابن عمي.....وعلى فكرة... لازم تاخدي بالك من صحتك..باقي شهر واحد وترجعي للدراسة تاني .
لازم تكوني قوية وإلا منعتك من الخروج وأجبرنا صاحبنا يعطيكي دروس خصوصية مجانية في البيت...اختلست نظرة أخرى للوجه الذي ازداد تجهماً ثم عضت على شفتها بألم:
ـ ما خلاص يا دكتور مهاب...الدكتور ليث قرر أني مش لازم أكمل دراستي...وكفاية عليا ...
برقت عينا ليث بغضب وتحذير مبطن أن تكمل جملتها ...فابتسمت بوهن مردفة:
ـ كفاية عليا ..آخد بالي من صحتي...أصل الدكتور ليث مهم قوي بصحتي...
وقف مهاب يرمق ابن عمه بعتاب:
ـ إيه الكلام دا...أنا الوحيد هنا اللي أقدر أقول إذا كانت صحة ريتاج تستحمل إرهاق الدراسة ولا لأ...وأنا شايف يا ليث يا بن عمي انها لو أخدت بالها من صحتها كويس...هتقدر تتابع محاضراتها من غير أي مشاكل..
رد ليث بوقاحة:
ـ وأنا جوزها يا دكتور وشايف ع** كلامك دا...ومراتي مش هتتحرك من بيتي لأي مكان ...والدراسة ممكن تتأجل السنة الجاية..مش هيحصل حاجة..
انتفضت ريتاج من مكانها وسألت مهاب بصوت مختنق متماسك:
ـ حضرتك بتقول أنك جبت الأدوية بتاعتي ..
أشار حقيبة بلاسيكية جوار الفراش ..مد يده وناولها لها..أمسكتها تتفحصها ثم نهضت لتتجه للشرفة المطلة على حمام السباحة...لحق بها الرجلان بتعجب من تصرفها..حتى فاجأتهما بإلقائها كل الأدوية في المياه...
شهق مهاب باستغراب:
ـ ليه كدة يا ريتاج؟
عقدت ذراعيها على ص*رها قائلة وهي تقلب شفتيها أمام نظرات ليث الهازئة:
ـ مش لازم يا دكتور...لو مش هقدر أكمل دراستي..مش لازم كمان أكمل علاجي..
صاح الطبيب بقلق:
ـ بس دا فيه خطر على حياتك...ليث قول حاجة
صاحت بحدة:
ـ ليث بيه قال كل اللي عنده...قصدي جزء منه...واللي اتحرج يقوله أنه محتفظ بيا لمتعته وبس...ولما أسدد كل ديوني وديون أبويا هيرميني...بس أنا مش هعطيه الفرصة دي...والحياة المطعمة بالذل والمهانة مش همسك فيها...ومش عاوزاها خليه يتمتع بجسد ميت ...
عادت للغرفة بخطوات مترنحة فأوقفهاها ليث من ذراعها بقبضته المؤلمة هامساً في أذنها بصوت متقطع:
ـ عاوزة تحرجيني يا ريتاج...أنا هدفعك التمن غالي..
أمسك مهاب مع**ه ليتركها:
ـ خليها يا ليث...مش هتتحمل مسكتك دي...مراتك ضعيفة...أنت أيه مش بتشوف هي عاملة إزاي...
أجابه ليث وهو يتركها بق*ف:
ـ ولو ماتت...مين هيسأل عنها...أمها اللي مش عارفين طفشت فين...ولا أبوها الهربان بسريقته...
صرخت ريتاج منهارة عندما صدمتها اتهاماته:
ـ ماما مطفشتش...وما تجيبش سيرة ماما على ل**نك أنت سامع...
أمسكها مهاب ليبعدها عن زوجها وأعادها للفراش يهدئها:
ـ أنت كدة بتموتي نفسك يا ريتاج...
انتحبت ببكاء صامت:
ـ أرجوك يا دكتور...خدني من هنا...أنا مستعدة أشتغل عندك أي حاجة ... بس خرجني من هنا...أرجوك أنا مش قادرة أستحمل خلاص..
ـ اهدي بس...وخدي أدويتك هبعت لك غير اللي أنت رميتيه
هزت رأسها بعنف:
ـ مش هاخد أي أدوية إلا لما أخرج من هنا أو أكمل دراستي...غير كدة الموت أرحم لي من عيشة الذل دي
صاح ليث من الخلف بتحدي:
ـ خليها تموت يا مهاب في ستين ألف داهية...تبقى ارتاحت وريحت.
الحلقة الثانية والعشرون
*****************
صدمتها كلماته الحاقدة وهو يكررها مرة أخرى:
ـ قلت لك سيبها يا مهاب...تموت ولا تروح في ستين ألف داهية..
تماسكت وهي تعقد ذراعيها على ص*رها بنبرة تحدي:
ـ على فكرة...أنا مش هروح في داهية لوحدي...أنت اتسببت لي بعاهة مستديمة ورغم كل اللي عملته أنت وجمال بيه...التنازل في القضية دي من حقي أنا وبس...وأنا لسة ما اتنازلتش...ومن حقي أرفع عليك قضية وأنت اللي تروح في داهية يا ليث بيه
جحظت عينا ليث بحقد غاضب:
ـ شايف يا مهاب...أخيراً الخطة بتاعة الع***ة اكتملت...أبوها كان مخطط لكدة من بدري...وهو عارف ومتأكد أن قرار التنازل في إيد المحروسة بنته...أه يا ولاد الــ...
أمسكه مهاب قبل أن يتهجم عليها:
ـ إهدى يا ليث... الأمور ما تتاخدش كدة...إيه اللي أنت بتقوليه دا يا ريتاج بس؟..
ردت بصوت مغمس بالدموع:
ـ يا روح ما بعدك روح...وابن عمك قرر يموتني بالحيا...بس قبل ما يعمل كدة هكون أخدت حقي منه ..
التفت مهاب لقريبه:
ـ الكرة في ملعبك...وافق أنها تكمل دراستها, وكل الأمور تمشي...
زجره ليث بعنف:
ـ أنت بتهرج يا مهاب...أنت عاوز البتاعة دي تلوي دراعي...مش كفاية اللي أبوها عمله فيا..هي العيلة دي إيه؟ الإجرام بيمشي في دمهم ...أبداً مافيش دراسة...وأعلى مافي خيلها تركبه...لما نشوف هتقدر تخرج من هنا إزاي علشان تبلغ عني...وترفع القضية بتاعتها.
هزت ريتاج رأسها بالنفي وهي تتراجع بخطواتها للخلف لتعود للشرفة مرة أخرى حتى أوقفها السور المنخفض...ألقت نظرة لأسفل حيث رخام حمام السباحة اللامع...أدرك مهاب نيتها فصاح:
ـ ريتاج...بلاش جنان..
أوقفه ليث ساخراً:
ـ خليها ترمي نفسها...هي فاكرة أن المسافة دي ممكن تموتها..
رفعت أحد حاجبيها:
ـ ومين قالك أني عاوزة أموت...أنا عاوزة أوريك أنا أقدر أخرج من هنا إزاي ...ديتها إيه..**ر إيد ولا رجل..وتيجي عربية الإسعاف ...وأخرج يا ليث بيه...سبق وضحيت بكليتي على حد اعتقادك...مش هيعز عليها إيد ولا رِجل في سبيل أني أشوف ليث بيه بالأساور الميري..
برقت عينا ليث بكره شديد...حاول مهاب الإمساك بها مرة أخرى فمالت أكثر على السور وحذرته:
ـ اسأل ابن عمك يا دكتور مهاب...هو عنده شك أني ممكن أرمي نفسي علشان أنفذ خطتي...
نظر مهاب لليث بارتباك:
ـ اعمل حاجة يا ليث...أنت إيه يا أخي قلبك دا إيه حجر...لو رمت نفسها وطلبتني للشهادة مش هبيع ضميري علشانك...
أخيراً أومأ ليث بغيظ:
ـ ماشي...ماشي يا مهاب...أنا موافق...هتكمل دراستها...بشرط..توقع لي على تنازل عن القضية...
سألته بتردد وتفكير عميق:
ـ وأنا إيه يضمن لي أني بعد ما أتنازل ما يرجعش في كلامه...
دمدم ليث من بين أسنانه:
ـ أنا راجل كلمتي واحدة...مش زي أبوكي..
هتفت بحذر لا تصدق تنازله المفاجيء:
ـ وأنا موافقة...
حدق بها مهاب باستغراب لفرحتةالعارمة التي تتقافز من حدقتيها وهي تتهادى أمامهم شامخة بأنفها بكبرياء عائدة للغرفة...أخرج زفرة ارتياح كبيرة هامساً لليث:
ـ أنت ومراتك هتجيبوا لي السكر...حرام عليكم ...
رمقها بنظرات مختلسة تتهادي وكأن أي شيء لم يحدث...ولم يدر ما أصابه..فقد انقبض قلبه بغصة مفاجأة...وانتابته رغبة متلهفة ليركض إليها ويقطف تلك السعادة المكبوحة على شفتيها وكأنها تخشى أن تترك لنفسها العنان فتعود خائبة الأمل...أشاح بوجهه كي يقتل تلك الرغبة المتزايدة لأن يحتويها على ص*ره ويبثها السعادة المطلقة التي تخشاها..
ـ هاي..ليث..نحن هنا...
حدد مهاب اتجاه نظرات ليث ثم أومأ بنظرة متفهمة:
ـ إيه..أول مرة تشوف مراتك...ولا أخيراً قلب الأسد دق...
نفض ليث عنه ما انتابه من ضعف وتخاذل:
ـ إيه التخاريف اللي أنت بتخرفها دي...مهاب...شكلك اتأخرت على المستشفى بتاعتك....روح لحال سبيلك...
ـ كدة..دي آخرتها..الطرد..قال خيراً تعمل ..ِطرداً من ابن عمك الناقص تلقى..ماشي..بس اهتم بأكلها ما يصحش كده..أنت راجل وطول عمرك راجل...يا ليث.. ما تخلينيش أغير فكرتي عنك...
وصل للباب وفتحه عندما أوقفه ليث:
ـ أه..ما تنساش تبعت الأدوية بتاعتها...
أومأ مهاب كاتماً ضحكته:
ـ أه طبعاً...مش هنسى..see u
أخيراً انتهت الأجازة وبدأ العام الدراسي...استقبلت اليوم بفرحة مقوضة كالعادة...فلن تسمع صوت أمها وجدان توقظها في الصباح الباكر لتلحق بأول محاضراتها...ولن تسمع عتابها وهي تركض بدون أن تتناول إفطارها ... ولا حتى ترد عليها بزهق عندما تجد أمها الحنون أعدت لها سندوتشات...أنها تعدت مرحلة الروضة بمراحل...
رغم كل جهودها الفترة الماضية خاصة منذ سفر ليث للكويت لأسباب لم يهتم بإخبارها بها...منذ سفره وهي في بحث دؤوب عن أمها ...ومشاوير لا تنقطع لمكتب جمال بيه...حتى كادت تحفظ عن ظهر قلب إيماءات السكرتير الذي يستبقها بها قبل أن تسأل:
ـ أنا آسف يا مدام ريتاج...لسة مرجعش..بس أنا بلغته لما اتصل أن حضرتك عاوزاه لأمر ضروري...للأسف هو اللي بيتصل بيا..ورقمه مش عندي..
ولكن اليوم يوم جديد..أول يوم في السنة الدراسية...وآخر سنة دراسية..لابد أن تحصل على تقدير عالي لتتمكن من العمل كمعيدة ,لتبدأ التحضير لرسالة الماجستير وبعدها الدكتوراة...تمتمت بصوت عالي:
" أحلامك هتتحقق يا ريتاج..وهتلاقي أمك...وهتتخلصي من جوازة الهم دي"
نظرت للباب الفاصل بين غرفتها وغرفة ليث...تن*دت بعمق متذكرة آخر مرة فتح فيها الباب بعد خروج مهاب في ذلك اليوم...كان غاضباً بشدة ولكنها لم تمانع في احتمال هذا الغضب طالما أنها حصلت على ما تريد...وكل ما أغاظه هو إخبارها مهاب أسرارهما الخاصة:
ـ ماشي يا ريتاج..أنا هدفعك تمن اللي عملتيه غالي...مش أنا هحبسك هنا لمتعتي...وأنت جربت...أنا هحرمك منها...ومش هتطولي مني بعد كدة ولا حتى......
قاطعته محرجة باشمئزاز:
ـ يعني هتحرمني من الجنة...
ـ هنعرف بعدين أن كنت هحرمك من الجنة..ولا من نار....
لا زالت كلماته ترن في أذنيها...حتى بعد مرور شهر...منهم أسبوعين سفر للكويت...ولا تعلم متى سيعود..
ارتدت ثيابها على عجل...بنطلون جينز وتي شيرت طويل...كما اعتادت تماماً في السنوات الثلاث الماضية..لن تقلد الفتيات اللاتي يتزوجن من الدكاترة ثم يعدن بعدها للكلية وكأنهم ذاهبات لعرض أزياء...ستثبت للجميع أنها ريتاج لن تتغير أبداً...
خرجت من غرفتها لتجد الخادمة تهم بطرق الباب عليها...من ضمن التغيرات في الشهر الماضي أن الخدم فجأة اكتشفوا وجودها...فأصبحت من ضمن اهتماماتهم..وأصبحت مرئية أخيراً:
ـ خير يا فتحية...
ردت الخادمة الصغيرة بابتسامتها المشرقة:
ـ خير يا ست الهوانم...درية هانم بتسأل حضرتك أن كنت هتفطري معاها في التراس...
قطبت ريتاج بعبوس:
ـ خير...من أمتى حماتي بتهتم بفطاري...هروح أشوفها..
ـ ست ريتاج...أخدت الدوا بتاعك...الدكتور ليث موصيني قبل ما يسافر...
مطت ريتاج شفايفها بامتعاض:
ـ أيوة يا فتحية...والله اهتمام العيلة دي بيا بيقطع في قلبي...
ضحكت فتحية بمرح فهزت ريتاج رأسها وانطلقت للتراس..
كانت درية هانم كعادتها جالسة كملكة متوجة على مقعدها الفاخر من طراز لويس التاسع عشر والذي تعشق الجلوس عليه حتى على التراس...حيتها ريتاج بأدب:
ـ صباح الخير يا درية هانم..
رفعت درية رأسها واستقامت شفتاها حتى بدت كخط واحد وهي تحدق بريتاج من أعلى لأسفل...ثم انقلب الخط المستقيم لقوس مقلوب لأسفل وهي تسألها بصوت في الغالب خارج من أنفها لأن ريتاج لاحظت عدم تحرك الشفاة:
ـ أنت لابسة كدة ليه...كام مرة هفهمك لبس الصبح بيكون إزاي ...إيه اللي أنت لابساه دا...أووووف ...يا ربي يا ليث أنا هستحمل السوفاج دي لحد امتى؟؟
ردت ريتاج بابتسامة كبيرة:
ـ سووووري يا طنط...بس دا مش لبس الصبح...دا لبس الكلية.. أنا خارجة..
شهقت درية هانم بلوعة:
ـ مون ديو...سيتامبوسيبل... دا لبس خروج؟؟ ولمين؟ لحرم الدكتور ليث عبد الجواد..أنت عاوزة تعملي لينا اسكاندال على آخر الزمن...اتفضلي روحي غيري الــ...الــ...أشياء دي...والبسي لبس الصبح...في ضيوف جاييين عندنا النهاردة ولازم تقابليهم...
وضعت ريتاج كتبها على ص*رها قائلة بحماس:
ـ سوري يا طنط مرة تانية...أنا عندي محاضرة مهمة مقدرش أفوتها...
صاحت حماتها بحدة:
ـ لولو مش قالي أنك هتروحي لأي مكان...
ـ والله يا ...طنط دي مشكلتك أنت و..سي لولو...مش مشكلتي أنا..باي باي ..سي يو ...لما أرجع..ولا مش مهم ..مش فارقة...
وانطلقت غير عابئة بنداءات حماتها الصارخة
الحلقة الرابعة والعشرون
******************
كادت تنسى...أو توهمت أنها نسيت...عندما اختلطت بأصدقائها ودُفعتها بالعودة لأرض المدرج والإرهاق المعتاد في الركض للحاق بالسكاشن.. وتدوين المحاضرات...نعم...كادت تنسى...ولكنها سرعان ما اندمجت في عالمها الذي أصبح أكثر من مجرد مستقبل مشرق لها....بمرور الأيام كان أغرب ما واجهته عندما استوقفها الدكتور هيثم شومان في الردهة أمام قاعة المحاضرات:
ـ مدام ريتاج ...حبيت أبارك لك...رغم أني متأخر قوي...كنت منتظر رجوع الدكتور ليث علشان أبارك لكم...يظهر أنه اتاخر في السفر...ان شاء الله يكون خير..
ـ أه طبعاً خير إن شاء الله...شكرا يا دكتور هيثم...
صافحها بود غريب لم تتوقعه من شخصية جامدة مثله لا يكاد يبتسم أبداً:
ـ بلغي تحياتي للدكتور لما يتصل بيكي..
ـ أه...أه ..طبعاً..أكيد..
بعد ذهابه فوجئت بيد ريم صديقتها تض*ب كتفها فصرخت متألمة:
ـ إيه اللي أنت بتعمليه دا؟..إيد دي ولا مرزبة...فيه إيه؟
ـ كان بيكلمك بيقولك إيه؟؟
تظاهرت ريتاج بالغباء:
ـ قصدك مين؟؟
ـ ريتاج...شغل الاستعباط دا تسوقيه على حماتك سليلة السلحدار باشا...هاتي من الآخر..
فكرت ريتاج ثم نظرت لأعلى قائلة وكانا تستعيد كلمات الدكتور هيثم:
ـ يا ستي...كان بيقولي أني أقول لبنات الدفعة يحلوا عن سماه بقى...لأن شكلكم بقا زبالة وأن عمره ما هيفكر يتجوز واحدة منكم
ـ تصدقي يا ريتاج أنك بقيتي رخمة جداً بعد الجواز...غوري من وشي أنا مش عاوزة أعرفك أصلاً..
دفعتها ريتاج ضاحكة:
ـ اتفضلي قدامي عندنا محاضرة مهمة...
ودفعتها أمامها متذمرة ثم لاحظت وقوف زميلهم حازم يرمقهم من بعيد فنادته بحماس:
ـ يالا يا حازم...مش هتحضر المحاضرة ولا إيه؟؟
انحنت ريم تهمس في أذنها:
ـ ريحي نفسك ...مش هيرد عليكي...أنت ناسية أنه كان مغرم صبابة...تن*دت ريتاج وتركت صديقتها وتوجهت لحازم:
ـ حازم..
حاول تجاهلها فألحت عليه:
ـ مش همشي إلا لما ترد..
رفع رأسه نحوها بتنهيدة:
ـ نعم يا ريتاج...
ـ تصدق أنك رخم فعلاً..
رد ساخراً باستهزاء:
ـ وأنت مش خايفة حضرة الدكتور يشوفك واقفة معايا يعملك مشكلة...
ـ لأ مش خايفة...لو سمحت يا حازم...أنا خسرت كتير قوي في الشهور اللي فاتت ...ومش عاوزة أخسر صديق كمان..
زفر ساخراً:
ـ صديق..
ـ أيوة يا حازم...أنا محتاجة وجودك كصديق..
ـ أعتقد إن الدكتور ليث مش هيقصر معاك...كزوج..وكصديق..وكــ..حبيب
تن*دت بعبوس:
ـ على العموم يا حازم...لما تراجع نفسك هتلاقيني بانتظارك..
ومنذ ذلك اليوم لم يفارقها حازم ...إلا عند عودتها للفيلا في نهاية اليوم...
كان دائم الجلوس جوارها في المحاضرات, ومعهم ريم التي حدثت ريتاج بخوفها من هذا التقارب...ولكن ريتاج لم تأبه...فلن تخسر بالتأكيد أكثر مما خسرته وتخسره كل يوم ببقائها في فيلا ليث عبد الجواد.
حتى ذلك اليوم...كان المدرج في فوضى عارمة بانتظار الدكتور المحاضر, بينما كانت منهمكة مع حازم وريم في مناقشة حامية...فجأة عم السكون المطبق القاعة...لتشخص بنظراتها فتعلق عيناها بعيني ليث الناريتان...يحدق بهما بنظرات احتقار زادت من حدتها لحيته السوداء الخشنة...والتي زادت من قسوة ملامحه ... فقد كان الثلاثة يحتلان البنش الأول...تجمد الدم في عروقها ولاحظ حازم برودتها...فأدار رأسه ليرى ما رأته...وتبادل الاثنان نظرات كره والتحدي المتبادل...ثم ببرود متناهي بدأ يلقي بمحاضرته متجاهلاً الهمس واللمز والنظرات المتهكمة...وفي نهاية الساعتين حمل حقيبته وانصرف بدون أن يولي تجاهها نظرة أخرى...متى عاد؟..ولماذا لم تخبرها حماتها الشمطاء بعودته؟...ربما كان هذا هو سبب تهكمها عليها اليوم أكثر من أي يوم كالمعتاد.
تعجبت ريم عندما وجدت صديقتها واقفة بانتظار الباص ككل يوم..
ـ إيه دا يا رورو..هو أنت مش هتروحي مع الدكتور في عربيته ولا إيه؟...
ـ لأ ...أنا....
وفجأة مرت من جوارهما سيارة ليث السبور الحمراء...بسرعة دون أن يتوقف لزوجته...ولكنها لمحتها معه...تلك الفتاة ذات الشعر الأشقر تنحني نحوه وتهمس له فيضحك بقوة... والسيارة تتحرك أمامهم وكأنها تسير بالتصوير البطئ..شهقت ريم:
ـ مين دي؟ مش دي كاميليا عزت...هي ركبت معاه إزاي؟؟ ريتاج...شوفتِ اللي أنا شفته؟؟
وقبل أن ترد ريتاج جائت إحدى صديقاتهن تركض:
ـ يا بنات شوفتوا اللي حصل...البت كاميليا رمت الهلب على الدكتور ليث...عملت نفسها دايخة على عربيته...فعرض عليها يوصلها...أنا سمعته بنفسي...دا حتى مسكها من إيدها ودخلها العربية بنفسه...
صاحت ريم بحدة:
ـ إيه الكلام الفارغ اللي أنت بتقوليه دا يا سالي...حتى لو شفت بنفسك حاجة زي دي ما تجيش تقوليها قدام ريتاج...أنت مافيش عندك أحمر خالص...
ثم أمسكت بذراع ريتاج وأبعدتها:
ـ سيبك من كل الكلام الفارغ ده...أنت واثقة في جوزك وفي نفسك ...أوعي تخلي بت زي كاميليا ولا سالي يهزوا فيكي شعرة... أوك يا رورو...الأتوبيس بتاعي جه هضطر أسيبك دلوقت..هطمن عليكي بالتليفون لما ترجعي..أوك.
بابتسامة متكلفة لم تعرف حتى كيف وصلت لشفتيها أومأت لصديقتها التي انطلقت من فورها لتلحق بالباص...
.....يتبع......