استدارات فتلاقت عينيها بعيني رامي فاتسعت حدقتيه محذرٱ لها أن تتهور بفعل أى شئ، كأنه قرأ مابداخلها، فعادت ببصرها ممجددٱ الى الجرس، ووضعت اصبعها عليها لتضغطه فيص*ر صوتٱ بالداخل، بالنسبه لمن هم داخل القصر فهو مجرد جرس للباب ينبئ عن حضور احدهم، ولكن بالنسبه لها مطرقه دقت قلبها وبقوه معلنه عن اقتراب ماهو أسوأ لها...
فتح الباب رجل يبدو عليه انه فى العقد الخامس من العمر، ولكن يبدو ايضٱ من مظهره انه يعمل هنا..
ابتسم لها صادق قائلٱ: أى خدمه؟
قالت له بارتجاف: ساهر ببباشا، قالك انى جايه النهارده..
ابتسم صادق محاولٱ ان يهدئ من روعها البادي عليها: انا اسف بس ساهر باشا مقالناش عن حد هيزوره النهارده
ثم نظر خلف ظهرها، فرأى رامي، الذي اشار له ان يسمح لها بالدخول، ورفع هاتفه مشيرٱ الى انه سيتصل بساهر باشا..
فأومأ صادق برأسه بهدوء، ثم افسح لها الطريق قليلٱ قائلٱ بهدوء: اتفضلى رامي هيتصل بيه دلوقتى..
تعجبت!، هل دخول احدهم الى منزله يحتاج لكل هذه الاجراءات والاسئله!!، وان كان لا يخشى احد، فلم كل هذا الحرص الزائد!!!
جلست على طرف إحدى الأرائك الموضوعه فى وسط بهو القصر بحرفيه، تطلعت حولها بذهول، رفعت رأسها الى اعلى لترى سقفٱ بعيييييدٱ جدٱ، لا تعلم كم يبعد عن الارض التى تقف هى عليها، سقفٱ منقوشٱ ومزين بحرفيه بالغه، أثاث فخم ورقيق بشده، حتى الإطارات واللوحات المعلقه على الحوائط مبهره، وتبدو باهظة الثمن، مؤكد ان هذا القصر قد وضع فيه مبالغ طائله حتى يبدو بكل ذلك السحر....
مر عليها قرابة الثلاث ساعات وهى تجلس على حرف المقعد بتوتر بالغ لا تعرف ماهو سبب تواجدها فى هذا المكان، الخوف يمزقها تمزيقٱ، رن هاتفها، فالتقطته من حافظتها وعلمت ان المتصل رانيا، ردت عليها ليس لانها تشتاق لها مثلٱ بل ارادت ان تمضي معها بعض الوقت الذي يمر ببطئ شديد..
ماريا: ايوا يارانيا
اخذت رانيا شهيقٱ عميقٱ جدٱ تريح به توترها قبل ان تتصل.
رانيا: الحمدلله انك رديتى عليا كنت خايفه اوى الاقيه مقفول، انتى فينك وبتعملى ايه؟
كانت ماريا تشعر بضيق شديد: انا مش فاهمه اي حاجه، بس كل اللى انا فهماه انى لحد دلوقتى بخير...**تت قليلٱ لتعود قائله: حرام عليكى يارانيا، حرام بجد، طول عمرى بشيل عنكم اى حاجه تعملوها ومبزعلش ولا بتكلم ولا عمرى جيت قولتلكم انا شيلت عنكم كذا ولا قولتلكم انكم كنتو سبب فى تعبى فى اى حاجه مهما تعبت فعلٱ، بس المره دى غلطه كبيره، دى مش غلطه دى مصيبه، وقعتينا مع ناس مش سهله ابدٱ، ده غير صدمتى الكبيره فيكى، مكنتش اتخيل ابدٱ انك تعملى كده مهما كانت الضغوطات عليكى، وبالع** ده مفيش اى سبب يخليكى تعملى كده غير الفلوس والطمع، انا مش عارفه احنا من امتى جرينا ورا الفلوس للدرجه دى، لدرجة السرقه..
انزعجت رانيا من كلمات ماريا التى تجلدها وبعنف فقالت بضيق: خلاص كفايه، انا متصله اتطمن عليكى مش متصله اسمع كلام زى كده، انا مقدره اللى انتى فيه كويس، واحنا لسه فيها، لو حابه تقولى الحقيقه وياخدونى انا مكانك مش هزعل منك ابدٱ، وكتر خيرك انتى اتحملتى لحد دلوقتى تشيلى نتيجة غلط مش غلطك وبجد انا مستعده لاى حاجه تحصل ومش هلومك ابدٱ...
ثم اجهشت بالبكاء واغلقت المكالمه فى وجه ماريا..
ابتسمت ماريا وهى تنظر الى اللا شئ قائله لنفسها: كالعاده هتضغطى عليا بسلاح الدموع، تقولى اللى انتى مش عايزاه يحصل وتعيطى عشان معملوش بجد، عادتك ولا هتشتريها.
انتفضت فجأه ليسقط منها هاتفها، فور سماعها لباب القصر يفتح ويدخل منه ساهر بطلته المخيفه، تقدم بضع خطوات حتى تجاوز باب القصر، ثم وقف ليضع كلتا يديه فى جيبي بنطاله ويقف بشموخ امامها..
نظرت له بذعر، لا تعلم لم يتجمع رعب العالم كله فى قلبها فور رؤيته..
اخفضت رأسها الى الارض، ترى هاتفها مستقرٱ على الارض امامها ولكنها لا تجرؤ على التقاطه، ففى حضرته يصعب ان تفعل اى شئ الا ان ترتعد منه..
ظلت تنظر الى موضع قدميها بخوف، منتظره لاطلاق كلماته المرعبه مثله، فهى تكاد تجن كى تعرف سبب احضاره لها الى قصره..
تقدم منها ببطئ، الى ان شعرت بأنفاسه، التى اعادتها الى ذكرى ليلة امس التى لا تتمنى ان تتذكرها ابدٱ ولا تود ان تعيش يومٱ مثلها من جديد...
نظر الى هاتفها الملقى أرضٱ قائلٱ ببرود يود به ان يحرق اعصابها ودمائها ايضٱ: موبايل حقير، هو النوع ده لسه موجود بجد!!
لم ترد عليه، فهى تعلم جيدٱ انه يحاول استثارة غيظها ويود استفزازها حتى يجد سببٱ لض*بها وايلامها، ولكن ستحاول هى ان تحافظ على **تها وان لا ترد عليه حتى ينتهى هذا اليوم بخير، برغم انها تعلم ان الخير لا يجتمع مع مثل هذا الرجل فى مكان واحد
استطرد قائلٱ وهو ينظر لها يحاول ان يثبر أغوارها: مش هتسألينى انا جبتك هنا ليه؟، برغم ان مكانك الطبيعى دلوقتى تبقى مرميه فالسجن؟
فضلت ماريا ان تحتفظ ب**تها وهى تتلوى ألمٱ وخوفٱ بداخلها..
**ت ساهر قليلٱ، ثم قال لها بصوت يغلفه الغضب والرغبه فى الانتقام: انا جبتك هنا عشان تبقى تحت عينى، تبقى مجرد خدامه فى قصر اللى اتجرأتى عليه ودخلتى مكتبه تسرقيه، جبتك هنا عشان فى كل لحظه هتقضيها تحت سقف القصر ده هتعرفى انى لو كنت سجنتك كان هيبقى ارحملك بكتير من وجودك هنا.
ثم صرخ بأعلى صوته مناديٱ على صادق، فهو الرجل الذي فتح الباب لماريا وقت حضورها، يعمل فى هذا القصر منذ زمن طويل، منذ ان كان يعيش هنا والدي ساهر، فهو عاصر طفولة ساهر وشبابه وكل اوقات حياته، ويعلم الكثير عنه..
حضر صادق على وجه السرعه، ووقف بثبات امامه قائلٱ بصوت هادئ: نعم ياساهر باشا
تحول ساهر بوجهه وهو ينظر له وينطق كلماته ضاغطٱ على كل حرف بها: البنت دى من النهارده هتشتغل هنا فى القصر، مش عايزها تتعامل المعامله العاديه بتاعة كل الخدم، محدش يحطلها اكل الا باذن منى انا، ولا حتى تسمحولها تاكل وتفتحوا عينيكم معاها كويس اوى، لو سابت القصر هيبقى مسئوليتكم انتو، اربعه من الخدم يمشوا النهارده ومرتباتهم هتوصلهم لحد عندهم، وهى هتمسك شغلهم كلهم، وشغلهم لو كان تنضيف كل يومين، بالنسبالها هى هيبقى كل يوم، ولو كل يوم بالنسبالها هيبقى مرتين فاليوم، اللى اتعمل تعيد عليه تانى وتالت ورابع، والقصر هيجهز بكاميرات من جوه من النهارده عشان لو انتو غفلتوا عنها هتتحاسبوا زيها، مش مسمحولها بأى شكل من الاشكال توصل لبرا الباب ده.
قالها وهو يشير الى باب القصر الداخلى..
كانت مشاعرها متداخله، تنظر له بذهول، بدهشه، لا تعلم كيف يتحدث عن حياتها القادمه بهذا الشكل وكأنه هو من خلقها، كأن امرها برمته يقع باشاره بين يديه، كأنها مجرد لعبه يلهو بها ويقذفها كيف يشاء، دهشتها جعلتها لا تستطيع ان تنطق بشئ، تنظر اليه بعينين مفتوحتان على مصرعيهما، بوجه باهت وشفتين منف*جتين، كانت تبدو كالبلهاء أمامه.
وكم أعجبه رؤيته لها بهذا الحال.
كيف لإنسان ان يشعر بكل هذه الراحه لرؤية احدهم يتألم خائفٱ، مندهشٱ من أن حياته يتقاذفها شخص ما بين راحتي يده بمنتهى السهوله، وكيف لإنسان ان يتحكم بحياة احدهم بكل تلك الأريحيه، يعلم جيدٱ ان كلماته ليست عابره، بل ستتحقق بالحرف الواحد مهما كانت العوائق، وما هى العوائق من الاساس التى ستشكلها فتاة ضعيفه هشه من مستوى اجتماعى منخفض كماريا التى لا يعلم اسمها حتى الٱن..!!
تركها تجلس كما هى، كان من الممكن ان يأمرها ان تقوم لتبدأ عملها، ولكنه كان يعي جيدٱ حجم صدمتها، فلم يرد ان يزيد عليها الأمر، فتركها لتستوعب ماهى مقبله عليه، يا له من رحيم!!