-3-

3523 Words
إقتحمت السيارات مدرج الطائرات حيث كانت تنتظر وصولهم طائرة خاصة من ذلك النوع الفاره، و تجزم إيروكا أن الطائرة تستحيل أن تكون تابعة للمقر... نزلت من السيارة متجنبة النظر إلى والدتها، و هي قد قابلتها بجفاء خافية مشاعر الحزن بداخلها عميقا، في حين أن روز لم تكف عن البكاء منذ رؤيتها لإيروكا، كانت تعلم أن إبنتها غاضبة منها و هي لا تلومها، فهي السبب بكل ما يحدث بالماضي و حتى الحاضر لكن تأمل الا تكون سببا بتدمير حياة ابنتها بالمستقبل... إيروكا كانت تنظر الى الطائرة محاولة تجاهل وقوف والدتها خلفها، و مع كل شهقة تخرجها روز من بين شفتيها تشعر إيروكا بقلبها يتحطم لأشلاء و يحترق بحمم الحزن التي تذيبه دون ذرة شفقة، كانت تمنع نفسها بشدة من أن تعود الى والدتها و تأخذها بين ذراعيها بحضن دافئ لكن كلما تتذكر ما حدث بينهما تتراجع و تعود الى برودها المصطنع.... صعدت الى الطائرة متجاهلة كل شيء حولها في حين أن روز كان تقف و عيناها يملأها ضباب دموعها الذي يمنعها من الرؤية بوضوح، قلبها يكاد ينفجر لشدة ألمه لكن لا أحد يشعر بها، لا أحد سيفهم ما تحمله بداخلها من وجع و كرب، غم و حزن ينهشان حياتها دون رحمة، لا أحد سيفهمها يوماً حتى إبنتها الوحيدة غاضبة منها لسبب لا تعلمه هي، جفائها يقتلها **كين حاد يمزقها و لا تعلم الى متى سيظلمها القدر، الى متى ستظل تتعذب.... جفلت حينما شعرت بتلك الكف تمسك كتفها لتنظر إلى ستيڤ بحزن و هي تسرع بمسح دموعها بكفيها راسمة إبتسامة صغيرة على شفتيه و كأنما تحاول أن تطمئنه أنها بخير، لكنه هو أكثر من يشعر بها و يفهمها من نظرة عينيها، هو يعلم تماما ما سبب ألمها الا أنه لم يرغب بأن يزدها بؤسا بأسئلته و أفضل حل وجده حينها هو إخراج تلك الوردة من خلف ظهره و قدّمها لها بإبتسامته الجذابة و قد لمعت عيناه بسعادة حينما رأى دهشتها و الإبتسامة التي شقت شفتيها معبرة عن فرحها بتلك اللحظة... "هل هذه لي!؟..." سألته بنبرتها التي بدت طفولية للغاية و هي تمسكها بين كفيها رافعة إياها الى أنفها لتستنشق عبيرها بلمعة الفرح و الإمتنان في حين هز ستيڤ رأسه و هو يقول : و هل أمتلك روز أخرى بحياتي أنا، وردة حمراء لأجمل وردة بهذا العالم... قرص وجنتيها بآخر حديثه و هو ينحني ليقبل جبينها، لتشعر روز بالخجل من كلامه و هي تصفع كتفه أجبرته على أن ينفجر ضاحكا و هو يلف ذراعه حول كتفيها ليصعدا الى الطائرة متمتما : هيا أمي، لا تنكري أنك تصبحين حمراء كتلك الوردة بيدك حينما تخجلي، و تجاهلي إيروكا أنا أعلم كيف أربيها تلك الو**ة الباردة ستجعلني أجن يوما ما، سأخصص يوما لنا لنتحدث فيه عن مصائبها بالعمل و كيف أنها لا تمتلك ذرة احترام لقائدها العظيم و الذي هو أنا... نظرت إليه إيروكا بغيض و كم ودت أن تنهض و تلكم ذلك الوجه المستفز و ت**ر تلك الذراع التي تلمس والدتها لكن الطائرة التي تحركت منعتها من النهوض و هي ترى ستيڤ يثير غيرتها بكل الطرق الممكنة، و إن كان يعتقد أنه نجح بمخططه فهو محق، هاهي إيروكا تجلس على مقعد الطائرة كمن تجلس بحوض يملأه الحمم الساخنة، وجنتيها إحمرتا بالفعل و هو يجزم أنه يستمع الى الدم يغلي بعروقها و ذلك يزده سعادة بداخله كونه و أخيرا سيصلح العلاقة بين الأم و إبنتها، لكن يبدو أن ستيڤ لا يعلم بأنه لا يلعب بنار واحدة بل اثنتان على وشك الإنفجار الآن إيروكا و التي تنتظر أن يُسمح لها بنزع حزام الأمان و أخرى كانت بعيدة نسبيا لكنها ترى كل شيء، كانت تراه يبتسم لروز يداعبها يهديها وردة يغازلها و هذا جعلها ترغب بأن تمزق وجهه اللعين ذاك، كزت على أسنانها بغضب و بكل قوة قبضت على كفيها محاولة تجاهل ما يحدث، محاولة أن تمثل العماء لكي لا ترى ذلك، لكن غصبا عنها عيناها لا ترى غيره، لا ترى سوى تلك التصرفات التي تجعلها تغار، هي لا تنكر ذلك هي بالفعل تغار من الجميع... هو لم يعاملها يوما كالبشر، لم تتذكر أنه إبتسم لها بصدق يوماً، لم تتذكر أنه أهداها شيئا يوماً، لا تتذكر أنه حادثها كالبشر يوماً، هي فقط دمية القائد ستيڤ تنفذ أوامره تتحمل غضبه و قسوته، هي مجبرة على الخضوع له و مهما حدث ما بينهما لن يتغير أبداً... هي تكرهه و هو يزيد من قسوته عليها، هي تمقته و هو يربط حياتها بحياته قسرا، هي تتمنى موته و هو وعدها أنه قبل أن يموت سيقتلها أولا، تلك هي علاقة كريستا بقائدها ستيڤ.... نظر لها أخيرا لتبعد بصرها عنه بضيق مبتلعة تلك الغصة بحلقها و هي تمنع تلك الدموع من أن تتجمع بمقلتيها، منعت نفسها من الشعور بالضعف أمام هالته المظلمة تلك، شعرت به يقترب منها لتغرس أضافرها بباطن كفها عميق و حينما جلس بجانبها نست حتى كيف تتنفس، كل دقة بقلبها باتت تبكي رعبا و رغم علمها أنه لن يفعل لها شيئا امام روز و إيروكا لكن ذلك لم يمنع أنها تشعر بالخوف من مجرد الشعور به حولها... "تنفسي صغيرتي..." همس قرب أذنها بنبرة ساخرة جعلتها ترتجف و بخنوع نفذت أوامره بينما تشعر بالدموع تتجمع بمقلتيها لتسمع ضحكته المستهزأة و هو لا يزال على وضعه و لم يبتعد عنها، روز و إيروكا بعيدان عنهما و كلاهما ملتفت للجهة المعا**ة لا يران ما يحدث خلفهما، ذلك أعطاه الفرصة بأن يتجاوز حدوده كما يشاء و لا يشعر بمعاناة كريستا أحد، حتى مضيفة الطيران هي ببساطة فضلت ألا تقترب من مساحة ستيڤ أبدا... بكل هدوء سارت أنامله على طول ذراعها العاري شاعرا برجفة بشرتها ضد لمساته المحرمة لجلدها صاعدا الى أعلى كتفها و عيناه لا تفارقان تعبيرات وجهها و قد بدت مرتعبة مشمئزة و كارهة و هذا لم يجعله سوى أن يبتسم ممسكا خصلة من شعرها المنسدل عابثا بها بين إصبعيه، و بإبتسامة هادئة أزال شعرها الى الجانب مظهرا جيدها القمحي و أخفض بصره الى حيث ظهرت تلك العلامة القرمزية التي أخفتها خلف سواد شعرها، لمسها بسبابته و تعمد أن يضغط عليها آلما إياها و قد تذكر كيف ترك علامته على عنقها و هو ليس نادما هو بالفعل لا يشعر بأي ذرة ندم تجاه ما يفعله بها... لامست شفتيه جيدها تحديدا علامتها و بكل هدوء هو قبلها لتكتم كريستا شهقتها بصعوبة و هي تغرس أضافرها بكف ستيڤ الذي لم يشعر حتى بالألم بل تركها تفعل ما يحلو لها، و بالمقابل هو يفعل ما يريده بها.... "تؤ، هذا لا يكفي كريستا، أريد أن أتألم أكثر أنا أعلم أنك بارعة بتحطيمي، هيا أخرجي تلك الشرسة المختبأة داخلك ما فعلتيه بي بدأ يتلاشى أثره، إصنعي أثرا جديدا يجعلني أقع لك أكثر.." همس ضد بشرتها مرسلا بداخلها ذبذبات عبثت بمشاعرها مجبرا إياها على أن تغمض عينيها بمحاولة منها أن تسيطر على نفسها شاعرة به يشابك أنامله بخاصتها و الأخرى كانت فقط ترسم دوائر وهمية على بشرة ظهرها جعلها تبتلع ريقها قبل أن تفتح عيناها قائلة ببرود : ماذا تريد ستيڤ... همهم ستيڤ كردة فعل على سؤالها و قد نمت شبه إبتسامة على ثغره متنفسا رائحتها بعينان مغمضان، كان كالغارق بمحيطها و لا نجاة من موته الذي سيكون على يدها يوما، داعب أنفه عنقه ليقشعر جسدها و أمالت برأسها للجانب لتسند خدها على وجنته الملتحية منصتة الى همسه الذي جمدها : دماء، أريد الدماء كريستا... "لا أستطيع.." بادلته همسه بنبرة مرهقة متألمة مستمعة إلى تن*ده و أنفاثه الساخنة التي تستفزها، كانت تعلم أنه ليس بقواه العقلية الآن و لم ترغب بأن تنفذ ما يطلبه، ليس و هو بهذا الحال جسده المتشنج و الإرهاق البادي على ملامحه، لم ترغب بأن تخضع له هذه المرة الا أن ستيڤ بالفعل تلك اللحظة لم يكن بوعيه... "صدقيني أنت لست بوضع يسمح لك بأن تقرري، سأؤذيك كريستا..." أنهمرت دموعها غصبا عنها و هي تشد من مسكها ليد ستيڤ تحاول أن تهدأ نفسها، تحاول أن تمنع عبراتها لكنها كانت كالأمطار الغزيرة بيوم حزين كئيب، قلبها يتألم بشدة عالمة أنه يتألم عالمة أنه يريد نسيان شيء ما لكنها فقط لم تعد تحتمل.... نهضت بطريقة مفاجئة و دون أن تترك له المجال بأن يعترضها كانت قد فرت من أمامه و إتجهت الى الحمام المتصل بالطائرة، كما حرصت على إغلاق الباب بعد دخولها لكي لا يقطع خلوتها بنفسها، جلست على غطاء المرحاض لتدفن وجهها بين كفيها و قد أساحت الدموع زينتها و كحل عينيها لتكره نفسها أكثر و تكره ضعفها أمام ستيڤ أكثر.... و بينما كانت هي غارقة ببؤسها كان ستيڤ لا يقل عنها حزنا و كآبة بتلك اللحظة، تعابير وجهه لا تفسر سوى الألم الذي كان يظهر بعينيه، كان يعلم أنها تبكي و كان يعلم أنها تتألم لكنه تصنع عدم الإهتمام، تصنع البرود و إنشغل بالنظر الى الخارج محدقا بالعالم من وراء النافذة، للحظات خيل له أن يكون طيرا يحلق بين السحاب غير آبه لشيء غير حريته، أن يكون بعيدا عن تلك المشاعر التي تحرق قلبه و تزده كرها لنفسه، لكن هو طير إن**رت أجنحته ليغرق ببحر الألم و العذاب دون أن ينجو بحياته، تن*د متصنعا إبتسامة صغيرة ما إن جائت إيروكا لتجلس بجانبه و عيناها تركزان بالنظر إلى ملامحه و حدقتيه بالأخص جعلته يتوتر و يبعد نظريه عنها... "لماذا تهرب من المواجهة دوما ستيڤ!؟، فقط لماذا لا تواجه ألمك و تنقذ نفسك!، أنت لا تهرب لشهر أو إثنان بل لسبعة عشر سنة كاملة و أنت تخاف المواجهة، لسبعة عشر سنة و أنت تهرب من الجميع و أولهم نفسك، إن لم تواجه فأنت ستضل تخسر ستيڤ، و يوما ما أنت ستخسرها صدقني..." نقل أبصاره إليها من جديد و لا تنكر إيروكا شعورها بالرهبة تلك اللحظة و هي ترى عيناه تظلمان بشكل مخيف، إبتسم لكن إبتسامته كانت متألمة حزينة و منقهرة كانت ابتسامة نابعة من قلب رجل لم يذق طعم السعادة يوماً، حياته مرة كالحنضل قاسية كصخور الجبل و حارقة كفوهة بركان منفجر، كان يائسا و كلامها ذكره بأشياء عاش حياته يهرب منها... أمسكت يده لتنفلت منه ضحكة و هو يخفض أبصاره ناظرا الى أيديهما المتشابكة قائلا : أنا أخاف إيروكا، أنا مجرد جبان يخاف مواجهة الوحش، أنا جبان لعين بدل عن مواجهته أنا فقط أهرب منه خشية على ما تبقى مني... هز أبصاره إليها من جديد و هذه المرة حدقتيه كانتا لامعتين، تبرقان حزنا و يأسا كان يحتضن يدها كأنما يحاول أن يستمد منها بعض القوة، هو على حافة الإنهيار على وشك أن ينصهر لشدة القهر الذي بقلبه... كان يتألم و قلبه يناجي لينقذوه من الحزن و الكرب الذي يمنعه من أن يعيش سعيداً، هو لم يبكي يوما بحياته و رغم حزن عينيه الا أنها جافة و كأنه نسي ما معنى دموع، نسي ما معنى أن يبكي و يرتاح و ستيڤ هو فقط يتصنع القوة لسبب هي تعلمه و تعلم تماما من صنع شخصية الوحش الذي بداخله لكنها مهما فعلت لن تستطيع تغيير حقيقة أن ستيڤ مات منذ أن بلغ الحادية عشر من عمره و ولد ستيڤ متوحش صنعه شيطانه... "ماذا تبقى منك ستيڤ!، أخبرني لأحافظ على ما تبقى من أخي..." همست رافعة يدها الحرة لتلمس خده بحنان و هي تراه يميل الى لمستها بقلب يبكي حزنا و الألم و الإرهاق باديان على ملامحه الرجولية، إبتسم بوجع و هو يقترب منها ليحتضنها و لم تبخل عليه إيروكا بأن تبادله حضنه متمتمة بكلمات مشجعة لكن ما قاله بعدها جعلها تتجمد و تفتح عيناها على وسعها : قلبي، انا أحاول الحفاظ على ما تبقى من قلبي... إبتعد عنها فور سماعه لباب الحمام يفتح و خروج كريستا التي كانت تجفف وجهها بالمنشفة متعمدة عدم النظر إليها و تجاهلت وجوده لتجلس بعيدا عنه هو و إيروكا ثم وضعت السماعات بإذنها لتحلق بعالم الألحان و الموسيقى الكلاسيكية الناعمة التي تع** مظهرها الخارجي من ملابس قاتمة و زينة وجه غريبة و إ**سوارات تشع ريبة، كانت عيناه تتابعانها و لا يرى غيرها و إيروكا فضلت الإبتعاد و العودة الى مكانها بينما كلماته لا تنفك تبارح ذهنها.... قلبه!؟، منذ أيام فقط قال أن قلبه دفن بقبر والدته، إذا ماذا قصد بما تبقى من قلبه!؟، إستدارت برأسها ناظرة إلى ستيڤ خفية و هي ترى تلك اللمعة المختلفة عن لمعة الحزن و الألم، كانت ترى ذلك الصفاء بعيدا عن الظلام كانت ترى شروده بكريستا، و حينها فقط إبتسمت لاعنة نفسها و غبائها هامسة : كريستا هي قلبه، يا الهي كم كان هذا رومانسيا، تبا لك إيروكا أنت الوحيدة من ستموتين عازبة.. تن*دت بثقل و هي تعتدل بجلستها و بكل عبوس رفعت أناملها الى شفتيها : حتى قبلتي الأولى لم أخسرها، و هذا القلب اللعين لم يفكر يوما بأن ينبض لأحد، يا ترى هل ساقع بالحب يوماً؟!... أغمضت عيناها و تجاهلت كل ما حولها، لكن ذلك الألم الذي غزا قلبها بتلك اللحظة جعلها تفتح عينيها على وسعها و بيد مرتجفة هي رفعت كفها الى ص*رها متنفسة بثقل و تعب إستولى على كامل جسدها، لم يكن شعورا جديدا بل هي تعودت على ذلك الألم الذي لم يفارقها منذ سنوات، و مهما حاولت أن تفهمه لم تجد أي تفسير منطقي واحد لذلك الألم، لطالما أعتقدت أنها ربما مريضة قلب لكن جميع نتائج فحوصاتها تثبت شيئا واحدا فقط أنها متوهمة و لا يوجد شيء يدل على مرضها و حينما سألت طبيبة نفسية عن حالتها هي بكل بساطة ضحكت لتطردها بعدها قائلة أنها ليست طبيبة أمراض القلب، و هذا ما جعلها تكره الأطباء جميعهم دون إستثناء.... "أمي!، أمي لقد عاد الألم من جديد.." همست إيروكا بتعب لتنظر إليها روز بقلق و حزن شديد و هي تنهض لتجلب كوب ماء من أجل إيروكا ثم عادت لتجلس بجانبها و ساعدتها على أن تشرب الماء مداعبة خصلات شعرها بحنان و هي تجذبها لتضمها الى حضنها هامسة : نامي صغيرتي، نامي و كل شيء سيكون بخير، إقتربنا كثيراً و كل الألم سيختفي... همهمت إيروكا بإرهاق و رغم ذلك هي لم تستطع النوم، فقط إستكانت بين ذراعي والدتها لتشرد بعدها بعيدا و عادت بها ذاكرتها الى أول مرة شعرت فيها بذلك الألم حينما بلغت التاسعة من عمرها، كانت نائمة حتى راودها حلم غريب يراودها لأول مرة بحياتها، أحدهم يناديها يتوسل إليها بأن تعود و تنقذه، كان يبكي متألما يحاول أن ينقذ نفسه لكن دون جدوى، و حينما نهضت من كابوسها راودها ألم فضيع بقلبها و منذ ذلك اليوم كلما شعرت بذلك الإحساس تحصل مصيبة بعدها.... "هل أنت جاهزة لمهمتك إيروكا!؟..." أخرجها من سهوة شرودها صوت ستيڤ الجالس أمامها و عيناه تتفحصانها بقلق لتبتسم إيروكا بذبول و هي تهز رأسها بنعم كردة فعل على سؤاله، لكن ستيڤ لم يكن متيقنا من صحة كلامها، كان الخوف يتآكله بالداخل و القلق يسيطر على تفكيره، فتلك مهمة ليست بالعادية أبدا خاصة و أنها ببلد مختلف عن الولايات المتحدة، هو لا يدري ما ينتظرهما بإسبانيا خاصة و أنه يعرف تايغر بيرود معرفة شخصية، و هو بالفعل ليس الرجل الذي يسهل خداعه و التلاعب به... حينما رآه لأول مرة كان ستيڤ بالخامس و العشرين من عمره، كان عميلا للفيدرالية لكن إسمه أعطاه الحرية بأن يدخل الى مقر الزعيم الرئيسي و لم يستطع منعه أحدا، و لم يستطع أذيته أحدا بل جميع من بالمقر إنحنى إحتراما له و الآخرون هم فقط تجنبوه و نظرة الخوف تعتلي ملامحهم، حينما دخل قاعة الإجتماع وجده جالسا قرب والده جيمس، تايغر لم يكن يهتم لمن دخل أو خرج بل كان جامدا بارد الملامح و النظرات فقط ينظر للفراغ بعقل شارد، لكن ما حدث بعدها جعله بالفعل يتعجب منه.... شاب بالثالث و العشرين من عمره جعل الزعيم بذات نفسه يمد يده ليصافح تايغر أولا، و ليس هذا فحسب بل تايغر بكل وقاحة تجاهل اليد الممتدة تجاهه و خرج من القاعة و المقر بأكمله دون أن ينسى تلك الإبتسامة المظلمة التي ألقاها عليه... و ما حدث بعد كل تلك الفوضى التي أقامها منافسوا جيمس بيرود جعل ستيڤ يخرج من القاعة و الملل يحيطه من كل جهة، و حينها إلتقى تايغر بالخارج يدخن سيجارته بكل هدوء و عدم مبالاة للحرب التي أقامها بالداخل.... كانت أول محادثة بينهما عادية و عرف فيها ستيڤ ان تايغر لا يحب أعمال المافيا تلك، يكره من يتحكم به و يكره من يكون أعلى سلطة منه، فدائما يعرف بأن النمر يحب السيطرة و إمتلاك كل شيء و بالفعل تايغر هو شخصية مطابقة للنمر الحقيقي، لذا من بعد ما حدث هو أستبعد من قبل الزعيم و لم يعد له أي علاقة بالمافيا إن كانت قريبة أو بعيدة، و تايغر هو مستقل بنفسه ملك نفسه و مسيطر على السوق السوداء بعصابة بيرود التي لا تنتمي للمافيا بأي طريقة كانت، هو فقط إستطاع أن يثبت وجوده و يفوز على المافيا بأكملها، و مجرد عصابة إستطاعت أن تبث الرعب بقلوب زعماء المافيا بكامل أنحاء العالم، ذلك هو تايغر بيرود ان وضع شيئا بعقله فهو سينفذه مهما حدث و إن قال النمر أنه سيكون الملك فوق رؤوس الجميع فهو سيفعل دون أية مجهود.... لكن لكل شخص نقطة ضعف معينة يستغلها الأعداء، و ذلك ما يحاول أن يصل إليه إلياس أكبر عدو لتايغر بيرود، يحاول بكل قوته أن يعلم ماهي نقطة ضعف النمر لكن إلياس يبدو أنه لا يعلم أن النمر لم يملك بحياته نقطة ضعف واحدة، هو حينما يضعف لا يبكي هو يُبكي أعدائه.... "كن واثقا أننا سننتصر كما تعودنا ستيڤ، مكان تايغر بيرود سيكون بالسجن و حبل المشنقة ملتف حول عنقه..." تمتمت إيروكا ببرود غير منتبهة الى تلك التي دمعت عيناها و هي تستمع الى كلمات إبنتها التي عصفت بقلبها دون رحمة، كانت تحاول جاهدة الا تظهر أي من عواطفها لكنها و دون وعي منها همست بضعف و قلة حيلة : هو لا يستحق الموت، يكفيه ما يعانيه بسببي... نبرتها لم تسمعها إيروكا لكن ستيڤ إنتبه لما قالته قاطبا حاجبيه بحيرة و عدم فهم، كان يراها تصارع قطرات دموعها التي ستنهمر بأي لحظة كما رأى أيضاً مشاعر الحزن و الألم اللذان ظهرا بحدقتيها جليا، و روز كانت حزينة بشدة على كليهما، خائفة على تايغر من مهمة إبنتها كما هي خائفة على إيروكا من إنتقام تايغر، هي بين نارين و كلاهما حارقان مؤلمان و لا تستطيع إختيار أي إتجاه تسير به، مالذي ستفعله لتحمي تايغر و مالذي ستفعله لتنقذ إيروكا... هي ما تريده بهذه اللحظة أن يكون كل هذا مجرد حلم و ستستيقظ منه قريباً، فقط فلتنام لعل و عسى أن تستفيق و تجد نفسها عادت الى خمس و عشرين سنة و لا تفكر بذلك اليوم أن تبحث عن عمل لتكون بعدها خادمة بقصر السيد جيمس بيرود... أما إيروكا فقد نهضت لتسير برفقة ستيڤ بعيدا عن والدتها و جلسا حذو كريستا التي أزالت السماعات من أذنها و إعتدلت بجلستها عالمة أن إجتماعا هاما سيعقد بتلك اللحظة و لم يخب ظنها حينما تن*د ستيڤ و هو ينقل بصره بينهما قائلا : القاعدة الأولى، لا أحد و أنا أعنيها لا أحد يجب أن يعلم بحقيقتنا، سنأجر منزلا بأحد أحياء برشلونة على أننا عائلة و قدوم روز برفقتنا جاء بمصلحة فلا أحد سيشك بنا، ثانيا المهمة تعتمد عليك أنت كريستا أكثر منا، بحاسوبك هذا ستخترقين بيانات شركة اللعين تايغر أفهمت، و أيضا سنحتاج ذكائك الخارق هذا بإختراق بعض كاميرات المراقبة إما بالقصر أو بأحد الأماكن التي يزورها تايغر، ثالثا أنت إيروكا مجبرة على الدخول بين رجال تايغر، و صدقيني أن هذا الأمر مستحيل لكن أنا أعلم أنك تحققين المستحيل و رجاءا أترك ذكائك بعيدا نحن نحتاج الى الغباء بمهمتك، أتفهمين إيروكا! الغباء كوني كتلة من الغباء و إياك محاولة التذاكي على تايغر صدقيني برصاصة لعينة واحدة يفقدك حياتك، و تذكري الخزنة متواجدة بقصر بيرود 300 متر مكعب أشبه بشقة فارهة أسفل القصر لكن من أين تفتح و من أين المخرج فهذا شيء لا يعلمه أحد سوى تايغر بيرود و جيمس بيرود، و لتعلمي أيضاً أن دخولك ليس كخروجك إيروكا فإن حدث و شك بك تايغر مجرد شك أنك عميلة فيدرالية سيقتلك و لن يرف له جفن، و منذ هذه اللحظة أصبح إسمك ميليسا سولتز و هذه هويتك المزيفة حافظي عليها و لا تدعيه يبحث عن حقيقة هويتك مهما حدث، هو يجب أن يثق تمام الثقة أنك ميليسا سولتز فتاة طائشة عاشقة للمشاكل و بكل مكان تذهب اليه هي تحدث مصيبة... "لماذا الدخول بين رجاله مستحيل ستيڤ!.." سألته إيروكا و هي تشعر بالحيرة من قلق ستيڤ المبالغ، هي فقط تريد أن تعلم من هذا تايغر بيرود و ا****ة لما الجميع يخافه و يهابه، لماذا كلما سألت أحدا عنه هو فقط يفر بعيدا و لا يحاول مجرد محاولة أن ينطق إسمه، هو مجرد شخص حقير بنظرها لا يستحق كل هذا الرعب الذي يبثه بقلوب البشر، هو مجرد بشري لعين و ليس ملك الموت ليخافوا منه، يا الهي كم إزداد حقدها عليه و كرهها للمسمى تايغر كم ستشعر بالسعادة و هي تراه مكبل بتلك الأصفاد الفضية و هي تدفعه الى السجن ككلب لعين.... "دعي ما بعقلك يضل كما هو إيروكا، أنا لا أريد أن أبعث الخوف لقلبك و أشتتك عن مهمتك لكن ما أريد قوله لك حبيبتي، تجنبيه قدر ما تستطعين و إياك إيروكا الإقتراب منه أو محاولة لمسه، تايغر لم يكره بحياته شيئا كم كره النساء و آخر فتاة حاولت لمسه مزقها بأب*ع الطرق التي تتخيلينها، لذلك ها أنا أنصحك بالحفاظ على مسافة بينك و بينه، إن حدث و تغيرت ملامحه للإشمئزاز ترحمي على حياتك عزيزتي..." كانت نبرته جادة بطريقة دبت الرعب بقلبها هي لا تنكر، الآن فقط علمت لماذا ستيڤ خائف عليها منه، الآن علمت أن سمعته السيئة ليست الشيء الوحيد الذي يخافون منه، بل كرهه للنساء يجعلهم يرتعبون و هي حرفيا ستخطط لإمساك رجل لديه فوبيا لعينة من النساء!؟!؟، تبا لحظك إيروكا.... إبتسمت بتهكم و هي تهز رأسها تفهما لما قاله و نهضت لتعود الى مكانها قرب والدتها و التي غطت بنوم عميق لتجلس بجانبها و تسند رأسها على كتف والدتها مانعة نفسها من التفكير بأي شيء آخر و غطت بنوم عميق فور إغلاقها لعينيها... يتبع..
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD