الفصل السادس
.
بعشوائية تناثر فتات زجاج الصحن الزجاجي عقب ارتطامه القوي بالارض، فأصاب أم سالم ذهول من فرط دهشتها ليس لتهشيم الصحن بل لأن فتات زجاجه تناثر مثل حبات الفيشار التي تطير من داخل طنجرة ساخنة المنطقي جدا أن تتأذى ويرشق بها بعضه لكنها نجت! رغم وقوفها علي مقربة كبيرة نجت لم تُرشق بها ذرة زجاح واحدة
"ماما حصلك حاجة؟ مين وقع الطبق ده؟"
اجابت ابنتها صباح التي هرولت بلهفة تطمئن فور سماع صخب السقوط: معرفش ازاي وقع بس الغريب ان مافيش حاجة جت فيا
ضمتها ابنتها بقوة: الحمد لله يا امي تعالي ارتاحي وانا هكمل شغل المطبخ مكانك
_ حاسة بحاجة يا ماما؟ ساكتة ليه من وقت ما سبتي المطبخ طمنيني
غمغمت بمسحة شرود: بتأمل في اللي حصل انهاردة يا صباح ثم نظرت لابنتها وقالت: تعرفي ايه اللي نجاني انهاردة؟
_ ايه؟
أوضحت: فاكرة لما زعلتي من جارتنا اللي كل يوم تبعت تستلف مننا حاجة؟ وانا قلت ليكي مش هرد ايد تدق بابي؟ أدي الجزاء يابنتي ربنا سلمني من أذى كان قريب جدا مني أنا لو كنت دورت وشي بس ناحية الإزاز كان رشق في عيني واتعميت بس ربنا حماني الصدقة منعت عني البلاء دي رسالة ليكي اتمنى تكوني فهمتيها الصدقة خير لينا أكتر من اللي بياخدها مننا
أومأت لها متأثرة لما فهمت ، ربما كانت مخطئة من يدري بحال من يطرق أبوابنا غير الله
انقضت ليلة رمضان العاشرة وصوت المسحراتي يشق الليل متجولا بين الأزقة الضيقة ينقر على دائرة طبلته العتيقة ويدندن بأسماء الصغار والكبار لا يبتغي مما يفعل غير ثوابًا يؤجر عليه من ربه بإيقاظ النائمين ليستعدوا لصوم يوم جديد وكفى به مقابل يرضاه لنفسه
_ يلا يا طارق ، أصحى عشان تتسحر ياحبيبي
تململ الصغير: مش جعان يا بابا سبني انام
جذب هارون الغطاء من فوقه وهو يقول: قوم يا ابني اتسحر معانا ، أنت مش سمعت الشيخ بركات امبارح قال ازاي السحور مهم والرسول عليه الصلاة والسلام وصانا عليه وقال انه بركة؟ يلا بقى قوم اغسل وشك وحط الطبلية ، وانا هروح اصحي جدك واجيب الفول البيض المسلوق والزبادي واجي
رصخ الصغير أخيرا: حاضر يا بابا
في بيت الكنفاني
وضع حقيبة بلاستيكية مع قوله لها:
_جبتلك كنافة وقطايف طازة يا ام رامي، بس اوعي تنسي نصيب عم حلمي
_ من غير ماتقول، انا عاملة حسابي في صنية كبيرة زيادة اوزعها علي كل الجيران واستأنفت بزهو: ما انت عارف يا ابو رامي محدش بيعرف يعمل كنافتي ولا قطايفي
ابتسم بمحبة: طبعا مين يعملهم زيك يا ست الناس تسلم ايدك مقدما
_ تعيشلي يارب صحيح أم سالم بتقولي انهم عازمينا الجمعة الجاية ، جوزها كلمك؟
_ أيوة، وعازم كذا حد من رجالة الحارة، فطار جماعي يعني سبقني الراجل الطيب
_ ميجراش حاجة ، خلينا احنا الجمعة اللي بعدها نرد العزومة و نعمل الواجب
_ عندك حق، وربنا يتقبل أعمالنا ويكتبنا من المغفورين المعتوقين من النار
_ اللهم امين ويديم حسك في الدنيا يا حاج
_بس الحج متولي. كان عامل وليمة جامدة اوي في العزومة انهاردة..مش كده ولا ايه؟..انا استغليت الفرصة .وأكدت عزومتنا علي ام سالم. ، الأيام بتجري ومش فاضل غير جمعتين في رمضان.
قالتها أم رامي وهي ترتشف كوب شاي ساخن ويجل**ن بشرفتهما الصغيرة،. ليبتسم زوجها ابتسامة غامضة جعلتها ترتاب في أمره: مالك يا حاج؟ .نظرتك غريبة كأنك عايز تقول حاجة.
استدار لها بكلتيه .ومازلت تعلو شفتيه ابتسامة: مش بس شهر رمضان اللي بيجري .، العمر كله جري بينا .وولادنا كبروا .وبقوا عرسان وعرايس تشرح القلب.
لم تدرك بعد مقصده. وهي تتسائل: قصدك ايه يا ابو رامي؟.
رمقها براحة ثم روي فضولها. وهو يلقي عليها خبرا جعلها تزغرط. لولا أن كمم فمها موبخا: انتي اتجننتي يا وليه؟. هو لسه حصل حاجة رسمي؟
نزعت يده برفق. مغرورقة من فرحتها: هو بعد اللي قولته ده مش عايزني ازغرط؟. ده انا هرقص كمان.
رفع حاجبيه بدهشة: اللي يسمعك يقول بنتنا بايرة!.
ده مفيش في الحارة كلها .زي جمال وأدب مي بنتي.
ضحكت برواقة: وهو اي عريس يتقال عليه عريس يا ابو رامي.. سالم ده انا اللي ربيته زي ولادي.. عارفاه .عارفة أصله ومعدنه.. والأهم من كل ده ان بنتي هتسكن جنبي.. انت ناسي ان الحاج متولي. واخدله الشقة اللي فوقه من زمان؟؟؟
قهقهة وهو يصفق بكفيه: والله انتي مخبولة. كل ده عشان بنتك. هتكون ساكنة في الحارة بعد الجواز؟ طب مش يمكن هي متوافقش وترفض؟
انزعجت لافتراضه: ترفض ده ايه؟ وهو سالم يتعيب ولا حارتنا فيها حاجة وحشة؟. مي هتفرح انها هتبقي معايا. أنا عارفة بنتي كويس..عقبال داليا يارب. عشان قلبي يرتاح من ناحيتهم.
تن*د وهو يعود ليرتشف الشاي: إن شاء الله. ، سيبي كل حاجة للنصيب،. وأنا بكره هكلم مي. واديها فرصة لحد العيد تفكر.. ورأيها هو اللي هيمشي.
أُجفل هارون على صوت صراخ. شق سكون الحارة بهذا التوقيت المبكر في الشروق..الاستغاثة ص*رت من بناية قريبة،. هرول وبطريقه لمح أحدهم يجري من بعيد. حاول أن يبلغه فهرب، .هدر عليه بتوعد. ثم صعد سريعا للطابق الثاني .حيث تقطن أم سيف وأطفالها.
_ انتو بخير يا ست ام سيف؟ .حد فيكم جراله حاجة؟ .
اجابته بصوت مفزوع لاهث متقطع: الحرامي.. كان هيأذي عيالي. فتح الدولاب..كان بي**قنا.
تجمع الجيران حولها وفقدت أعصابها .وهي تضم صغارها إليها بقوة. تحميهم وتحتمي بهم وتبكي.. لا تصدق أن أحدهم اقتحم بيتها بتلك السهولة.. كأنه يعلم انها وحيدة معهم..لا حول لهم ولا قوة.. شعرت بالجارة أم فوزي تربت عليها .وأخرين يهدئون الصغار.. بينما انشغل بال هارون بذاك الوقح. الذي تجرأ على فعلة گهذه..
_ اهدي يا ست ام سيف ومتخافيش. كلنا حواليكي واللي حصل ده. مش هيتكرر تاني نوعدك بكده.
قالها الحاج متولي بحمية .قاطعا وعدا انه مع رجال الحارة .لن يغفلوا عن توفير الأمان لتلك المسكينة.
هبط هارون والضيق يسيطر عليه.. لو أسرع قليلا لأمسك ذاك الو*د وأدبه..داخله يتأجج غضبا و لن يهدأ له بال حتى…
انقطع صوت أفكاره بغتة .وهو يبصر شيئا ملقى جانبا فجثي والتقطه. لتشتعل عينه بغضب قاتم. وقد أدرك جيدا من اللص. الذي تعدي على حرمة السيدة وأطفالها..وأقسم لن تمر فعلته مرور الكرام.. سيعاقبه شر عقاب.
"هتحكيلنا ايه انهاردة يا شيه بركات؟"
قالعا أحد المصلين. بعد فراغهم من الصلاة. ليهتف الشيخ:
هستعرض معاكم قصة. من القصص الرائعة عن التوبة.
وهي قصة مالك بن دينار.
أنتبه الجميع لما سيرويه. والشيخ يسترسل:
هو أحد التابعين .وكان يعيش حياة العربدة والسكر. ، إلى أن مر بمصيبة كبيرة. أدت إلى تحويل حياته إلى الع** تمامًا،. وكان ذلك بسبب طفلة منحها الله إياه فأذاقته طعم النعيم وغيرت له الدنيا. ، وصار بفضل هذه الهبة. رجلًا من أهل الجنة. ؛ ملثلما شاهد في رؤياه،. وسنبدأ بذكر هذه القصة منذ البداية. قصة توبة مالك بن دينار
بعدما تاب الله على مالك بن دينار، صار يحكي قصته على من يجالسه؛. لعل أحدًا يستمع لها فيعتبر. ويتوب إلى الله مثلما حدث معه،. فيقول مالك: لقد قمت بشراء جارية فاتنة الجمال. ، ورزقني الله منها بطفلة. كانت بالنسبة إلي النعم.
وكنت دائم السكر وشرب الخمر. ولا أنفك عنه أبدًا،. وعندما كبرت ابنتي قليلًا .بدأت في ملاعبتي ومداعبتي ، فكنت كلما أمسكت بكأس الخمر .لأشرب منه توقعه من يدي ، وكأنها تخبرني يا أبتي لا تشرب هذا،. واستمر الأمر على تلك الحال .إلى أن تركت الخمر من أجلها،. وصارت هي مص*ر سعادتي. ، فكنت أملك السعادة بمجرد ضحكة منها ، إلى أن شاء الله. أن تفارق الحياة وتتركني.
حينها انهارت كل حياتي. وشعرت بالغضب الشديد لفقدها،. وفقدت صوابي. ورجعت إلى شرب الخمر مرة أخرى. ؛ بل إلى جميع أنواع الف*ن والفواحش. ، لم أترك معصية إلا وفعلتها. ؛ إلى أن أتت ليلة النصف من شعبان،. حدث أمر عجيب لم يخطر لي ببال،. ومنذ ذلك اليوم. وأنا ابتعدت عن معاصي الله عز وجل. وتركت الخمر.
**ت الشيخ بركات ليرتشف كعادته بعض الماء. ليكمل:
يقول مالك بن دينار. أنه كالمعتاد كان ثملًا في ليلة النصف من شعبان. ، ونام دون أن يصلي. ، فرأى وهو نائم أن القيامة قد قامت. ، وقام الملك بالنفخ في السور،. وتم بعث الناس من قبورهم،. وقد حشرنا جميعًا وأنا مع الناس.
فالتفت خلفي لأعلم ما الذي يحدث. ، فإذ بي أرى تنينًا عظيمًا .يسد ما بين السماء والأرض .وهو فاتح فمه ويحاول أن يلتهمني،. فهربت منه وأنا في حالة فزع وخوف. ، فإذ بي أقابل أمامي شيخًا كبيرًا .رائحته مثل المسك. ، فسلمت عليه ورد علي السلام. ، فطلبت منه أن يحميني من التنين،. فأخبرني بأنه ضعيف والتنين أقوى منه،. ثم قال لي أسرع .لعلك تجد من ينجيك في مكان أبعد.
فتركته وركضت مسرعًا .فوجدت نارًا عظيمة كدت أن أسقط فيها،. فنادى منادٍ عد فأنت لست من أهل النار. ، فأحسست بالاطمئنان قليلًا؛. لكني تذكرت التنين الذي يلاحقني. ، ف*جعت للشيخ مرة أخرة .وطلبت منه أن يساعدني. ، فقال لي: إنني ضعيف؛ .لكنني سأخبرك على طريق النجاة. ، اذهب نحو هذا الجبل .فهناك ودائع المسلمين،. وهناك لك وديعة لعلها تنجيك.
استكمل بن دينار حكايته .وهو يقول: التفت لأشاهد ذلك الجبل. ، فإذ بي أرى جبلًا مستديرًا مثل الفضة .فأسرعت إليه ولا يزال التنين يلاحقني. ، وكاد أن يلحق بي. ، فنادت الملائكة على أهل الجبل ليخرجوا. ؛ فتمنيت أن أجد وديعة .تنجيني من ذاك التنين.
فرأيت أفواجًا من الأطفال يخرجون. ، ورأيت من بينهم ابنتي،. فنادت بصوت عالٍ أبي. ، وقامت بالوثب على كتفي وتعلقت بي. ، ثم مدت يدها اليمنى جهة التنين. فابتعد عني هربًا منها. فجلعتني أجلس ثم جلست في حجري. ، وأمسكت لحيتي وهي تقول قول الله –سبحانه وتعالى-: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]
فأخذني البكاء. ، وقلت لها يا ابنتي: هل تعرفون القرآن؟،. قالت: نعم إننا أعلم به منكم،. فقلت لها: أخبريني عن ذلك التنين الذي كاد أن يقضي علي؟.، فقالت: إنه عملك السيء،. عززته وقويته إلى أن كاد أن يقضي عليك. ويغرقك في النار.
قلت لها: أخبريني عن ذلك الشيخ الطيب؟.، فقالت: إنه عملك الطيب. ، أضعفته وقللته حتى لم يعد يقوى على أن يواجه عملك السيء. ، فقلت لها: وما أمر هذا الجبل الذي تسكنونه،. فقالت: إننا أطفال المسلمين. ، أسكننا الله في هذا الجبل إلى أن تقوم الساعة. ، فنشفع لكم
استيقظ مالك بن دينار من نومه. والمؤذن يؤذن لصلاة الفجر. ، ثم سمع الإمام وهو يقرأ. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: 16]،. فعلم أن ذلك رسالة له من الله،. وأن الله أراه تلك الرؤيا .حتى يتوب إليه توبة نصوحًا.
فقام من مكانه واغتسل. ، ثم توضأ وصلى الفجر. ، وعاهد الله على أن يعمل صالحًا ويتقيه،. وصار أحد العباد الزهاد .الذين يرجون هدى الله ورحمته. ، وظل على هذا إلى أن توفاه الله. ، وكان ذلك بسبب الهبة التي منحه الله إياها. ، ثم نزعها منها لتكون له شفاعة يوم القيامة.
بهدوء يجلس هارون. يستمع لأنشودة الشيخ محمود عمران. ورغم طيف السلام الذي يغلف أجواءه. عقله يعج بأفكاره عن ذاك الو*د. الذي تسلل لبيت السيدة الارملة. يعم خسته وتذالته. لكن لن يظنه. يصل لهذا الحد. لقد بخس حق رجال الحارة. حين تصور ان فعلته ستمضي هكذا. يقسن بحياة أبنه طارق. لن يكون هارون. إن لم يلقنه درسا قاسيا.