سارت جوليان على خطا والدها المتروي في المشي ويدها تمسك بيده يعبرون الحشد في المحطة
المزدحمة :
- هيا عزيزتي .. من هنا
ض*بات قلبها كانت تتسارع لسبب لا تدريه ربما هو الحماس والفضول الذي يملاها لزيارة
اختها والتعرف الى الطفلة التي وضعتها البارحة :
- هناك كم هائل من الناس .. ارجو ان نحظى بسيارة اجرى
قالت والدتها بتافف وقد توقفوا امام درجات محطة القطار :
- ليتك اتصلت بلوك يا ليون ..
- انه برفقة ايديث في المشفى لانريد ازعاجه .. يمكننا تدبر امورنا ..
- كيف بالضبط ابي ؟
ردد جون الواقف على يسار جوليان الصامتة بوجه شاحب
- كفا عن التذمر .. ها ؟ ( والقى نظرة نحو ابنته وقطب ) انت بخير جول ؟.
- أ .. راسي يؤلمني ..
- حبيبتي
وتقدمت والدتها تمسك بها وتسندها :
- ما الامر روحي ؟
- ربما السفر الطويل هو السبب .. ( وتململت في وقفتها تشد جانبي المعطف الرمادي حول
عنقها ) انا بخير لا تقلقا
- وجهك شاحب ..
- ماما ..
ورمقتها بتذمر فقال ليون موافقاً :
- امك على حق .. لنحاول ايجاد سيارة اجرى بسرعة يا جون .. لا يعجبني حال اختك
- حاضر
شعرت جوليان بدوار خفيف وقليل من الاعياء لكن راسها هو من المها بحق .. فالرحلة كانت
متعبة والطقس البارد لم يساعد خصوصاً وانها خارجة من زكام حاد قبل عدة ايام ترك اثاره
الواضحة عليها
مرت عدة دقائق وهم منتظرون يحاولون الحصول على سيارة وسط الزحام لكن بلا فائدة
وتشبثت جوليان بذراع والدتها وساقيها واهنتين تغلق جفنيها بضعف ..
- مساء الخير
حتى وهي متعبة مسدلة لجفونها عرفت صوته .. ذلك الصوت العميق الواثق ذو اللكنة الغريبة
.. وتسارعت ض*بات قلبها بعنف كما كان يحدث كلما فكرت به خلال الاشهر الماضية ..
فثبتت نفسها كي لا تفضح ملامحها تاثرها
لقد فكرت به .. فكرت بطبعه الوقح وكلماته المزعجة .. وكرهته لكنها ظلت تتذكره وكرهت
هذا اكثر
- أ .. ايها الشريف .. سيد رودسن صح ؟
اجاب على والدها بصوت هادئ :
- بالضبط وانت السيد اندرسون .. والد ايديث يولمان صحيح ؟
- صحيح .. ( وبدا وكانهما يتصافحان بمودة ) كيف حالك ؟
- بخير .. بافضل حال في الحقيقة
لهجته واثقة تحمل غرور اعتيادي وجدية طبيعية باتت تعرفها جيداً ..
ثم صافح جون ووالدتها
- كيف حالك سيدتي ؟ تهاني على الحفيدة الجديدة
- اشكرك سيد رودسن ..
رفت بجفنيها وسط الظلام وهي تنصت لتبادل التحيات وتتخيل كيف يبدو لياندر رودسن في هذه
اللحظة .. هل تغير يا ترى ..؟.
- جوليان ..
وكانها لم تغب لشهور .. ستة شهور كاملة .. لا يزال يلفظ اسمها بالطريقة عينها ..
وعرفت بان على شفتيه بسمة رقيقة هازئة
- كيف حالك ؟.
بللت شفتيها الجافتين وكادت تنطق بجواب نافر جامد لكنها لم تستطع .. شعرت بروحها تسحب
منها فجاة .. الضعف والوهن انسابا على جسدها وكانهما ماء ..
قبضتها اشتدت حول ساعد والدتها قبل ان تترنح .. والاعياء تصاعد الى معدتها فيما اللون
يختفي تماماً من وجهها .انها تقفد الوعي .. البرودة التي **ت اطرافها اكدت ذلك
- جول ..؟.
- ابنتي ..!!.
- أ.. أنا ..
وترنحت من جديد ومالت نحو والدتها
- جوليان
صوته قوي عالي .. ثم ساعدين قاسيتين تلفقتاها بردة فعل فورية حملتاها وضمتاها عالياً
دون اي جهد .. هناك تشويش حولها والاصوات تبدو خافته فيما جفنيها مغلقين باستسلام
- طفلتي !!
بعد سماعها لتلك الكلمة فقدت الوعي تماماً ودخلت في الظلام وجسدها استرخى بين ذراعي
لياندر .. عرفت في اللاوعي لديها انه هو من حملها هو من ضمها .. والرائحة التي ملات
رئتيها هي رائحته .. و ( طفلتي ) هي كلمة قالها هو .. فهي تخصه ولا يقولها احد سواه ..
(( لا اظنك ستنسيني الان طفلتي ))
رفت بجفنيها سريعاً وسط الظلام وقد استعادة وعيها .. كانت افضل .. الاعياء رحل وحتى الم
راسها .. كانت مستلقيه على السرير هذا ما بدا من الملمس .. يدثرها غطاء سميك لكن
الرائحة ..!!
واخذت نفس طويل ثم جلست في المكان واذنيها تتحسان اي صوت حتى لو بعيد ..
لا فائدة فال**ت مطبق
- ماما !!
نادتها بتوتر وابعدت الغطاء عنها .. لاتزال ببنطالها وسترتها الصوفية البيضاء كما لاحظت
ورتبت خصل شعرها المبعثرة تزفر انفاسها مستغربة :
- ماما ..
صوتها اعلى هذه المرة وانزلت ساقيها عن حافة السرير لا تدري اين هي .. او ماذا حصل ..
كل ما تذكره هو لقاءهم بلياندر امام محطة القطار ثم الظلام والاسترخاء ..
فتح الباب برويد فقطبت وهمست :
- ماما .. اهذه انت ؟!
- لا .. هذا انا ..
هذا صوته من جديد .. يعود ليبعثر انفاسها ويمزج خلاياها بالحذر والتوتر ..صوت خطواته
يتقدم على مهل فرفعت عينيها نحوه :
- كيف اصبحت الان ؟
- اين امي ؟ ( وعبست بضيق به كطفلة في العاشرة ) و..اين انا ؟!
انخفض صوته ليغدو اجش ساخر وهو يجيب :
- في منزلي .. وغرفتي .. وعلى سريري
(( سريري !!)) واحمرت وجنتيها وهبت واقفة فوراً تبتعد عن السرير فص*رت منه ضحكة هازئة
شجية :
- س.. سريرك !!
- نعم ..هل نمت بارتياح ؟
- لا طبعاً .. اين امي .؟. اريد امي ؟
- نحن لوحدنا طفلتي .. عائلتك في المشفى تزور اختك ..
- ماذا ذهبوا وتركوني ؟!!
وعبست منزعجة .. اقترب لياندر منها ثم توقف يتحدث وصوته يغدو اقرب مقابلاً لها تماماً
-كنت مرهقة وبحاجة للنوم والراحة .. فاوصلتهم للمشفى وعدت لاراك .. هل تخافين التواجد
معي ؟
- مؤكد لا ..لم ساخافك ؟
وتراجعت خطوة بحذر فتوقفت ساقيها عند حافة السرير ..حلقها بات جاف ولمعت عينيها بخطر :
- اريد الالتحاق بعائلتي ممكن ؟
- عليك طلب ذلك بلطف عشقي ..
- لا تقل لي عشقي .. لا احب هذه المسميات واضح
- حسناً ..ابقي هنا اذاً وانتظري عودتهم .. ساتركك وشانك
هتفت به حانقة توقفه :
- لا تجرؤ حتى على المغادرة .. سوف تاخذني رغماً عنك
- رغماً عني ( ورفع حاجبيه الاسودين بدهشة وعينيه الغامقتين تلتمعان باستمتاع لاستفزازها )
هل تتحديني يا صغيرة ؟
تضيقت عينيها بثقة فاقترب منها اكثر :
- ان لم تفعل فساخبر عائلتي ..و..لوك
- من اين تاتي بهذه الثقة ها ؟. تتحديني انا ؟. لم يوجد في هذه القرية ولا في البلد من
يتحداني ويفوز ..ولن يكون ..
- ومن تظن نفسك ..ها ؟. و*د متكبر .. اريد عائلتي الان !!.
هتفت بذلك بجسد مرتجف غاضب ورفعت يدها تدفعه للخلف بانتقام :
- لا شيء تغير ( امسكت اصابعه بمع**ها يوقفها ثم جذبها نحوه حتى باتا متلامسين )
افتقدت لاستفزازك .. انت مص*ر تسلية لي اتعرفين ؟
(( مص*ر تسلية !!)) وضمت فمها بقوة تكبت غضبها المستعر تكاد تنفجر به ولمعت عينيها
تحاول تحرير مع**ها من قبضته لتبتعد عن سطوة جسده
- اتركني في الحال .. انت مجنون .. ماذا تريد مني ؟. اتركني والا ستندم ..
كرهت ضعفها وعيونها التي لا تر فتزيد الامور سوء ثم تفاجئت به حين حررها ..
ابتعد عنها وخطا عدة خطوات .. اصوات غريبة جاءت من خلفها لثوان ثم وضع شيء على كتفيها
- ارتدي هذا فالجو ماطر في الخارج ..
( انه معطف .. الهي .. هذا معطفه ..وهذه رائحته !!) وتمتمت رافضة :
- أ ..لا.. لا اريد .. انا لدي ..
- معطفك كان مبلل .. هيا ارتديه او افعل انا ذلك
رفعت عينيها نحوه تساله بوجه بريء مقطب :
- وهل ستصحبني الى والدي ؟
- مؤكد سافعل .. وهل ظننت الع** ؟.
ارتدت المعطف بارتياح وموافقه وهي تهمس :
- انت قلت ..
- كنت امازحك فقط .. انه يليق بك ..
واقترب .. وقبل ان تدرك ما ينويه راح يقفل ازراره لها :
- انا لا امازح اي احد .. ابداً .. لكني استمتع باستفزازك ..
- لقد عدت للبلدة للتو .. وانت لم ترحمني
- هذا كان استقبالي لك ..هه ..
ورفع ياقة المعطف ليغطي عنقها
-افضل من استقبالك لي بكثير .. الم تلاحظي ؟.
توترت انفاسها لقربه الشديد ..لصوته ..للمساته وض*بات قلبها تسارعت من جديد ..
ا****ة لماذا ؟!! لقد عادت اليوم وها قد بدأنا ..
وحررها من هالته وتراجع ب**ت فعرفت انه يتاملها :
- ما لونه ؟
- رمادي غامق .. وبعض الخطوط السوداء
حاولت تخيله .. وكيف قد يبدو عليها ثم عبثت ب*عرها ترتبه
- الا تريدين تناول شيء قبل رحيلك ..؟. فانت لن تزوريني كل يوم
- الاولى والاخيرة ..شكراً ..
- سوف نرى ..هيا
وامسك بها فجأة فانتفضت بذعر ..يدها في يده وسار امامها على مهل
- لحظة .. حقيبتي !!
- انها في سيارتي هي وجميع حوائجكم .. كم ستمكثين هنا ؟
- عدة ايام
ورفعت يدها تلمس الحائط قربها فيما يقول هو بتعجب :
- فقط ؟! .. احذري السلالم هنا ..
- ايام اكثر من كافية
- لقد غبت لشهور ..مؤكد ليست كافيه .. على مهلك ..
وابطأ من سرعته اكثر ليتاكد من نزولها بخير
- منزلك كبير ؟؟.
حدثها عن المنزل وما يحويه وهما ينزلان السلالم ويسيران في الردهة
وحين ساعدها لتصعد في السيارة ظل منحني يثبت الحزام حولها :
- يمكنني القيام بذلك ..
- اعرف ..
واغلق بابها ..ثوان وكان بقربها ينعش المحرك ويبدا بالقيادة :
- جوليان ..
امالت رايها بانصات نحوه فتابع بلهجة خفيفة ساخرة :
- الا تريدين معرفة ما ارتديه ؟
- الزي الرسمي صحيح ..؟
وابتسمت بوهن
- لا .. لقد استبدلت ثيابي
- هممم و.. ماذا ترتدي الان ؟
- بنطال جينز وقميص ازرق مع معطف اسود .. ما رايك ؟
عضت على شفتها بمرح تحاول تخيل شكله ثم ادارت وجهها نحو الجهة الاخرى ..
هذا الرجل مجنون ..فهي لا تستطيع معرفة طباعه ولا حالته النفسية .. انها لا تفهمه ..
ياله من شخص غريب !!
- هل فكرت بي في العا**ة ؟
- اه ..كثيراً جداً ..جداً
فضلت السخرية على الانكار بقوة فهو حينها سيكتشف انها تكذب ..
لقد فكرت به .. تذكرت مشاحناته وكلماته وقسوته ..كما فكرت بوقع صوته ورائحته ..
وقبلته ..تلك اللحظة الغريبة التي عاشاها في القطار
وعرفت بانه يبتسم هازئاً .. كانت واثقة من ذلك واحمرت وجنتيها محرجة
هانحن ذا ..
فتحت باب السيارة ونزلت برويد كما فعل هو تنتظر مساعدته
- ماذا ؟. الا تزال ذاكرتك قوية ام تريدين العد من جديد ؟.
قطبت تحاول التذكر .. كم كان عدد الخطوات وكيف ..هي لا تذكر فقد مرت شهور على تلك
الحادثة
- علي العد من جديد للاسف ..هه..
- هيا اذاً ..
وامسكت بيدها مجدداً .. فتوقفت انفاسها مرتبكة ..
اه الهي لماذا يحدث لها ذلك ..كلما لامسها .. كلما كان قريب .. لم لا تستطيع التركيز ؟؟!
وخطت خلفه وهو يسير على مهل .. تحاول العد والتذكر كما في الماضي ..
يده واثقة ..قبضته تجمعه بين القسوة واللطف للمرة الاولى .. واصابعه ..
بدت طويله تلتف حول راحتها باسترخاء وكانه معتاد على الامساك بها .. وكانه ترك يدها
البارحة فقط .. وجف حلقها بتاثر وهما يتوقفان قرب المصعد .. حاولت سحب ذراعها بخدين
محمرين لكن قبضته قست برفض ولم يتركها ..لا ..
حتى تخطيا الممر وفتح لها باب ثم دعاها للدخول ..
لامست باصابع حساسة ذلك الوجه الصغير ..تحاول استكشاف معالمه ..بشرتها الرقيقة وعيونها
المغمضة وفمها الشبه مفتوح ثم خصل شعرها الناعمة القليلة .. وضمت فمها بحسرة فيما
الدموع تتسلل الى مقلتيها
- تبدو مثالية ..
- صحيح حبيبتي
همست والدتها من خلفها فيما هي مستريحة على حافة سرير ايديث تحمل ابنة اختها الصغيرة
بين يديها الحنونتين وهمست بالم :
- مستعدة لدفع سنوات من حياتي مقابل رؤيتها لمرة واحدة فقط
واختنق صوتها واختفى وسط مرارة عميقة .. وسبحت عينيها الخضراوتين بالدموع الدافئة رغماً
عنها
- اه جول ..
جاء صوت اختها مشفق مرتجف بقربها فحاولت العودة لحماسها من جديد لا تريد افساد هذه
اللحظات السعيدة للعائلتين المجتمعتين .. عائلتها وعائلة لوك .. ولياندر الذي لا يزال
حاضر ..يقف بعيداً برفقة لوك .. ووجوده الصامت يملا المكان
- ماذا ستسميانها ؟.
- لم نقرر بعد .. لا نزال مترددين !!
- ستعمدانها بعد عدة ايام .. اسرعا .. لا يمكننا مناداتها طفله طوال الوقت صحيح ؟
- سنرى
انحنت جوليان براسها للاسفل تحادث الصغيرة بهمس :
- عليك ان تعترضي يا صغيرة .. قولي لهما اريد اسماً حالاً ..
وابتسمت بوهن وطبعت قبلة رقيقة على جبينها
- عزيزتي .. لمن هذا المعطف الذي ترتدينه ؟!.. لم اره قبلاً .
- هذا .. أ .. (وتضرجت وجنتيها بالدماء الحارة ) انه ..للسيد رودسن .. اعارني اياه ..
- اها ..فهمت ..شكراً لك سيد رودسن ..
- لياندر ارجوك ..
(( ياله من لطيف منافق !)) يتحدث مع والدتها بتواضع ولطف فيما يختلف معها تماماً ..
مجرد كاذب مدعِ ....
** ** **