|٢٥| قصة (بيت الفلاحين).

1686 Words
كنتُ أظن كلمة فلاح لا تطلق سوى على خائبي ال*قول والمُهمّشين أو الذين يتمسّكون بالعادات والتقاليد بشكلٍ عجيب، ولكن فكرتي تغيّرت عنهم تمامًا بعد ما حدث لي. أنا أميرة، طالبة في السنة الأخيرة لمعهد الفن الصحي بمحافظة بورسعيد في مصر، كنتُ ولا زلتُ مجتهدةً في دراستي والحمد لله، وُلِدتُ في القاهرة من عائلةٍ مرموقةٍ غنية ولها مكانتها، ولكنني انتقلتُ للعيش مع أسرتي في محافظة بورسعيد بسبب بعض المشاكل العائلية. تقدّم لخطبتي زميلٌ لي في الجامعة وبنفس صفي، ولكنني كنتُ مشمئزةً منه قبل حتى أن أراه أو أعرف اسمه، وهذا لأنه من بيتٍ للفلاحين في محافظة سوهاج. كيف سأدخل هذا المنزل؟ منزل للفلاحين؟ لا أصدّق.. ماذا ستقول صديقاتي عني إن جئن لزيارتي في هذا البيت وبهذا المكان وسط الأراضي الزراعية والح*****ت؟ كنتُ سأرفض، ولكنّ والدي كان على معرفة بعائلة هذا الشاب وأصرّ عليّ مقابلته حتى، فوافقتُ غصبًا بعدما نصحتني صديقاتي أن أوافق على تقدُّمه لطلب يدي للزواج ثم أرفضه بعدها بحجة وجود أي عيب فيه. وبالفعل.. حضر الشاب مع عائلته بعد يومين، رأيتُه من خلف ستارة المطبخ وانجذبتُ لملامحه اللطيفة ووقاره في الحديث وابتسامته التلقائية والساحرة. وحينما جاء الوقت الذي سأجلس معه بمفردنا قليلًا نتحدّث ونتعرّف على بعضنا بعيدًا عن عائلتينا، تغيّرت حياتي منذ هذه اللحظة كثيرًا. كان شابًا جيدًا جدًا، يُدعى محمد، كان على خُلِق وحسن معاملة وذكاء أيضًا. وأجمل ما كان فيه هي البساطة والتلقائية. حدّثني عن والدته، أخبرني عن مدى حبه واحترامه لها، أخبرني أنها أغلى ما في حياته، وحينما لاحظ انجذابي لحديثه وابتسامتي الهادئة التي لم أكن أعي أنها تظهر على فمي ذاتًا.. ابتسم هو الآخر وأخبرني منذ البداية أن والدته ستكون الرقم واحد في حياته حتى بعد زواجنا. قال هذا لي وأردف بعدها: «أخبرتُكِ بهذا الأمر فقط لتكون بدايتنا واضحة، حتى إذا تم الزواج ورأيتِ معاملتي واحترامي لوالدتي فلا تقولي أنني أهتم بها كثيرًا.» شدة حبه لوالدته وطريقة حديثه عنها جعلتني أتمسّك به أكثر، احترمته كثيرًا وقدّرت حديثه لأنني أعلم أن لا شيء في هذا العالم أغلى من الأم.. وحينها شعرتُ بالثقة بأنني سأكون بين يدين أمينتين مع محمد. لا أعرف كيف حدث هذا، رغم أنني كنتُ رافضةً لهذا المبدأ منذ البداية ولمْ أكن أريد رؤية هذا الشاب حتى، ولكنني أصبحتُ متقبّلةً لعائلته وشخصيته بسرعةٍ شديدة. وبعد أن انتهى حديثي معه والذي لم أكن أريده أن ينتهي بطريقة ما، ابتسم لي مودّعًا ورحل مع عائلته البسيطة والنقية. وحينها جاء والدي لي قائلًا: «والد الشاب ينتظر ردًا منّا خلال يوم أو اثنين، وبالطبع سأتحجج له لأنكِ لستِ موافقة منذ البداية، سأخبره أنكِ تريدين الاستمرار بتعليمكِ ولا زال الوقت مبكّرًا على الزواج أو سأجد أي عذر آخر.» نظرتُ لوالدي حينها ب**تٍ وعقلي يلف ويدور بالأفكار المعقودة عن محمد، حتى خُيِّلَت ابتسامته الساحرة ل*قلي، فابتسمتُ بهدوءٍ أرد على والدي رغم شعوري بالخجل الشديد: «لا، أنا موافقة.» نظر لي والدي بدهشة، بدا مستغربًا وهو يسألني: «كيف؟ ألم تكوني كارهة لفكرة لقائه قبل قليل؟» «لا أعرف، ولكنني مرتاحة له كثيرًا.» «حسنًا حبيبتي، صلّي صلاة الاستخارة وسنرى بعدها.» أخبرني والدي فأومأتُ له بهدوءٍ وعدتُ لغرفتي، بدّلتُ ثيابي وتوضأتُ وصليتُ صلاة الاستخارة الأولى بحياتي، وبعد مرور بضع ساعات شعرتُ بالراحة داخلي تزيد، زاد قبولي لمحمد كزوج لي بشكل غريب جدًا. فذهبتُ لوالدي صباح اليوم التالي وأخبرتُه بموافقتي وشعوري الشديد بالراحىدة، فابتسم لي والدي وعانقني متمنيًا لي السعادة الأبدية. تمت الخطبة بعد أسبوع واحد فقط من هذا اليوم. كانت خطبة جميلة وهادئة وعلى الطريقة الإسلامية كما أراد محمد وكان متمسّكًا بهذا كثيرًا، والعجيب في الأمر أنني وافقتُ رغم حلمي بخطبة باهظة وصاخبة منذ صغري. وبعد انتهاء يوم خطبتنا عدتُ لمنزلي وعاد معنا محمد وعائلته، تناولنا العشاء معًا وكان يومًا مليئًا بالسعادة والضحك، وقبل أن يرحل محمد مع عائلته أوقفني قائلًا: «من فضلكِ يا أميرة، كنتُ أريد طلبًا صغيرًا منكِ!» نظرتُ له بتعجب ثم ابتسمتُ وأخبرتُه أن يتفضّل بالطلب، فابتسم لي بالمقابل وأكمل: «طوال فترة خطبتنا أريد أن يقل حديثنا بالهاتف ومقابلاتنا، فقد سألتُ شيخًا عن هذا الأمر وأخبرني أن استباحته وكثرته تعد حرامًا.» بعد أن سمعتُ هذا الطلب منه زاد احترامي له كثيرًا، وكبُرت نفسه في نظري كثيرًا. وتمت خطبتنا لسنة كاملة، ثم بعدها تم عقد قرآننا. والله ما رأيتُ ولا سمعتُ من قبل عن شخصٍ بحنانه وطيبة نفسه وقلبه وحتى رومانسيته. هل كان يحمل كل هذا الحب لي في قلبه؟ كان سببًا في حفظي للقرآن الكريم، وفي الليل حينما كنا نتحدث مع بعضنا بالهاتف كان يقول بمرح: «انهضي لتصلّي قيام الليل بدلّا من هذه الثرثرة.» حينما كنا نخرج معًا، كنتُ أرى غيرته الآمنة عليّ حتى من أعين الناس، كان يتركني أرتدي ما أشاء إن كان يغطي جسدي، وهذا ما جعلني أعشق غيرته وحنانه أكثر فأكثر. أحببتُ كل تفصيلة به، بدا أكثر مما كنتُ أتخيل. كنتُ دائمًا أدعو الله أن يرزقني بزوج صالح، ولكنه رزقني بأكثر مما كنتُ أتخيل، كرم الله واسع جدًا. بعد شهرين فقط تزوجتُه وأقمنا زفافًا لائقًا بديننا وعائلتينا، ووالله أنني لمْ أرى شخصًا مثله من قبل. كان يعاملني كالملكة، حتى أصبحتُ نادمة على كل كلمة قلتُها بحقه وكل إ***ة أسأتُها لأسر الفلاحين بحياتي. ووالدتُه التي كانت أغلى ما لديه كانت والدةً ثانيةً لي، أحبتني كابنة من بناتها، وكانت نعم الحماة وأحنّهن. بيت الفلاحين هذا كان قادرّا على تربية رجل شهم صالح كـمحمد، جعلوه رجلًا مراعيًا على أخلاق الإسلام. نعم.. إنه الحب الحلال. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD