|٢٤| قصة (بلا عودة).

3017 Words
هرولتُ للداخل غير مبالية بذلك الذى يعلو صوته خلفي، أحاول الوصول لمكان تجمع المدعوين بأقصى سرعة للاندماج بينهم، لا أصدق أنني تجرأتُ وأقدمتُ على تلك الفعلة، أنا لم أخطط لهذا الأمر لقد ظننتُ أنني سأستطيع إقناع فرد الأمن بضرورة مقابلتي لرب المنزل أو أحد ولديه، ولكن لدى وصولي لباب هذه الڤيلا فوجئتُ بوجود حفل فخم وأن دخولي يستجوب وجود دعوة لا أملكها بالطبع، ولم يستجب فرد الأمن لتوسلاتي وزعمي بخطورة الأمر لذا استغللتُ انشغاله بمحادثة أحد المدعوين ومطالعة دعوته لأتسلل للداخل غير مبالية بندائه بعد انتابهه لفعلتي. هدأت خطواتي حين اقتربتُ من تجمع المدعوين واخترتُ جانبًا بعيدًا أتوارى به كي لا ألفت الأنظار ببساطة مظهري مقارنة بباقى المدعوين، حاولتُ التركيز لعلي أستنج شخصية السيد نادر أو أحد ولديه، فأنا لا أعرف أيًا منهم برغم عملي لأكثر من عام بفرع شركتهم بمصر. جلستُ ألتقط أنفاسي لأنتفض بعنف على ذلك الصوت المحتد رغم خفوته الذى جاء من خلفي، فالتفتتُ لأرى ذلك الشاب الوسيم ذو البذلة الرسمية شديدة الفخامة يهتف بي بحدة: «من فضلكِ اتبعينى بهدوء!» «أرجوك، أعلم أن تصرفي غير سليم، ولكن يجب أن أرى السيد نادر لأمر هام.» توسلتُه فنظر لي الشاب وقد ارتفعت نبرة صوته قليلًا: «من فضلك سيدتى، أنتِ ستتسببين فى ايذاء الشاب الذى غافلتيه، ولا أظن أنه سيرضيكِ أن يُصرف من عمله بسببكِ.» «لا طبعًا سيدى، ولكن أنا أيضًا سأُصرف من عملي وقد أُسجن ايضًا أن لم أقابل السيد نادر فى أقرب وقت.» شعرتُ بالندم ما إن علمتُ أنني سأكون سببًا في طرد حارس الأمن الذي دخلتُ دون انتباهه لي، ولكن انهمرت دموعي فجأة وقلتُ من بين نحيبي: «أنا أعمل بفرع شركته هنا وكل ذنبى أننى لم ارضى بالخطأ، وحاولتُ كشف فسادهم لأجد نفسي متهمة بالفساد ومهددة بالسجن، كل ذلك لأنني بلا سند، فهل يرضيك أنت هذا؟» شعرتُ أن هذا الشاب قد لان لي وتأثر ببكائي الحزين حينما قال لي: «بالطبع لا يرضيني ولكن صدقًا وجودكِ هنا لن يحل مشكلتكِ، بل قد يغضب السيد نادر جدًا؛ فهذا الحفل أقيم على شرف شخصية هامة لن يرضى السيد نادر أن تعلم تلك الشخصية بوجود تجاوزات بشركته، لذا فلتنصرفى الآن بهدوء ولنتقابل غدًا، وأعدكِ أن أقوم بمساعدتكِ حتى تظهرين براءتكِ، وأنتِ من الآن لن تكوني وحدكِ أمام هؤلاء الفسدة.» استشعرتُ الرجولة والصدق بكلماته فاطمئن قلبي وابتسمتُ ابتسامة خفيفة أجيبه: «شكرًا لك سيد..» فردني بشرود بينما ينظر بعينيّ بطريقة وترتني: «سامي، اسمى سامي أنسة..» «رنيم يحيى، آسفة على اقتحام الحفل بهذه الطريقة وأرجوك ألا تصرف الشاب على البوابة أنا من غافلته ولا ذنب له.» «لا تقلقى اكتفيتُ بتوبيخه، ولكنني الآن أود الذهاب والاعتذار منه، لكونه السبب لمعرفتى بكِ.» «شكرًا لك سيدي.» شعرتُ بالخجل من طريقة نظره لي وابتسامته اللطيفة والرجولية بنفس الوقت، فقام بتوصلي حتى باب الڤيلا وأمر إحدى السيارات الفخمة بتوصيلي بعد أن تبادل معي أرقام الهواتف ووعدني بالتواصل معي بأقرب وقت. ركبتُ السيارة وأخبرتُ السائق بوجهتي وشردتُ بأحلامي، لا أصدق ما حدث معي رغم تمنيه وتخيله طيلة الوقت، فأنا دائمًا كنتُ أقرأ الروايات هروبًا من واقعي المؤلم وظروفي الصعبة، ولطالما أحببتُ تلك التى تدور حول رجل الأعمال الشاب الذي يصطدم بالفتاة البسيطة بأول لقاء ثم يقع أسير هواها ويحارب الجميع ليفوز بقلبها منتشلًا إياها من ظروفها لتصبح بين ليلة وضحاها من الطبقة المخملية، وكم تمنيتُ أن أكون إحدى هؤلاء البطلات، ولكنني كنتُ أردع أحلامي دائمًا فالحقيقة مختلفة، ولكن ها هو الحلم يتحقق. أنا أعلم أن لدى السيد نادر ولدان، هما سامي ومراد، وقد سمعتُ كثيرًا عن نزواتهم وسوء خلقهم، ولكنني الآن تأكدتُ أن الأمر لا يتعدى الحقد والحسد، فأنا لاحظتُ دماثة أخلاق سامي وإنسانيته، كما لم أغفل عن إعجابه بي الجلي بعينيه، لذا سأترك الأمور تأخذ مجراها حتى تنسج رواية جديدة أكون أنا بطلتها هذه المرة. فى الصباح الباكر فوجئتُ باتصال سامي بي يدعوني لمقابلته بأحد الأماكن العامة، استعددتُ وذهبتُ بالموعد، لأجده بانتظاري بملابس مهندمة ومتناسقة ولكنها بسيطة تتنافى مع ملابسه بالأمس، كما فوجئتُ ببساطة المكان الذى دعاني إليه، ولكنني أرجعتُ الأمر لإحساسه المرهف الذى جعله يتباسط معي ويحاول مسايرة ظروفي حتى لا أُصدم بالفروق بيننا من البداية. بعد جلوسنا وتناول العصير اللذيذ الذى طلبه لي حضر شاب عرفني عليه سامي قائلًا: «سامح جاري وأقرب أصدقائي وأثق به ثقة عمياء.» طلب مني سامي قص مشكلتي عليه بالكامل ليستطيع مساعدتي بحكم عمله كوكيل نيابة، فقصصتُ المشكلة على صديقه بالكامل وكيف أن المدير المالي ومساعديه استغلوا الإقامة الدائمة للسيد نادر وولديه بالخارج وأنهما لا يعودا إلا لشهر واحد كل عام ليقوموا باستيراد أغذية فاسدة وترويجها لحسابهم الخاص، وأنني وبسبب غلطة غير مقصودة منهم استطعتُ كشف هذا التلاعب، وقمتُ بمواجهتهم فما كان منهم إلا الحصول على إمضائي بغفلة مني على بعض الأوراق المخالفة وقاموا بتهديدي وتخييري بين أن أنضم إليهم أو يتم الإبلاغ عني والزج بي بالسجن، وعندما علمتُ بقدوم السيد نادر وولديه لمصر لمدة محدودة حاولتُ مقابلة السيد نادر وإخباره بالأمر، فلم أستطع، ولكن رحمة الله هدتني لمقابلة السيد سامي ليصدقني ويساعدني. قمتُ بعدها بتنفيذ تعليمات صديق سامي حرفيًا وتظاهرتُ بالموافقة على الإشتراك مع المدير المالي ومساعديه بعملياتهم المشبوهة وقمتُ بمقابلتهم بأماكن عامة، ورغم كون تلك المقابلات تحت أعين الشرطة إلا أن سامي كان يصر أن يتواجد بنفسه على مقربة مني مما كان يُشعرني بالأمان ويقرب بين قلوبنا. وفى اليوم الأخير للخطة تم القبض على المدير المالي ومعاونيه بعد تسجيل مساومتهم لي على التلاعب بتواريخ إنتاج بعض المواد الغذائية، لأزفر براحة بعد انتهاء مشكلتي، ثم وجدتُ سامي ينضم إليّ على الطاولة في إحدى المقاهي العامة حيث اعتدتُ مقابلة المدير المالي به تنفيذًا لخطة الشرطة وصديق سامي، فأردتُ أن أكون ص**حة مع سامي وأخبره بكل ظروفي قبل مصارحته لي بمشاعره الجلية بعينيه حتى لا أكون أخدعه، فقلتُ بتردد: «حقيقةً لا أعرف كيف أشكرك على كل ما قمت به من أجلي، كنت خائفة فأنا ضعيفة ليس لدي ما أجابههم به كما لا يمكننى ترك العمل فأبي موظف بسيط بالمعاش وأمي ربة منزل وراتبي بند هام بميزانية منزلى لم أكن أستطيع الاستغناء عنه.» ابتسم سامي لي بتفهم وهو يقول بحب: «بارك الله لكِ بوالد*كِ، أنا أكثر من يشعر بإحساسكِ، فقد حُرمتُ منهما منذ صغرى وأعلم أنهما لا يُعوضا، رغم وجود القلوب النقية حولي، فالعم أدهم، ذلك السائق الذي أوصلكِ يوم الحفل هو من ربانى كابنه معتز، وبالمناسبة هو ذلك الشاب الذى غافلتيه وكدتِ تتسببي بطرده إن انتبه لكِ أحدهم ولكنه استنجد بي، واستطعتُ احتواء الأمر دون أن ينتبه أحد وبحكم عملي كنادل تمكنتُ من التجول بين الطاولات بحثًا عن مواصفاتكِ حتى وجدتكِ، فهو أخي وصديق طفولتى، لولاه هو ووالده لم أكن أعرف مصيري، فوالده هو من ألحقنى بالعمل بذلك الفندق الفخم الذى يتولى تنظيم معظم الحفلات الفخمة لعلية القوم، ومعتز هو من شجعنى للالتحاق بكلية السياحة والفنادق، حتى أستطيع التقدم بعملي وأنتقل للعمل بالإدارة يومًا ما.» بهُتتُ عندما استمعتُ لكلماته التى **رت حلمي بلحظات لتظهر الحقيقة أمامي جلية، فهو مجرد شاب بسيط مثلي يحاول انتشال نفسه من أنياب الفقر، ليس ذلك الثري الذي ظننتُه سينتشلني من الفقر، وأيقنتُ أن مظهره البسيط نابع من ظروفه، وليس تباسطًا معي كما ظننتُ. انتزعني من أفكاري صوته وهو يقول بحب: «كنتُ أعتقد أن ظروفى لا تسمح لى برفاهية كالحب حتى اقتحمت إحداهن حياتى بلا دعوة، ليفتح لها قلبي أبوابه على مصراعيها، وأتمنى أن تدخل إليه زوجة وحبيبة.» انتفضتُ عند هذه الجملة فالحوار قد اتخذ اتجاه لا يناسبني، أنا لا أنكر إعجابي به ولكن لن أسمح لهذا الإعجاب أن يجعلني أنساق وراء قصة قد نسجتْ بخيوط الفشل، فكيف أقترن بمن هو بنفس ظروفي أو ربما أسوأ وأنا التى ظللتُ أنتظر فارسي المنقذ. فانتفضتُ واقفة قائلة بحدة لم أتعمدها: «أنا آسفة، يجب أن أنصرف الأن، فمنذ انصراف الشرطة ونحن نتحدث، بينما يجب أن أتبعهم لمتابعة سير التحقيقات.» «بالتأكيد سنعلم بسير التحقيقات، بالأكيد صديقي سيبلغنا بها أولًا بأول، وأنا لم أنهى حديثى معكِ بعد، فلدي ما أود إخباركِ به.» كان يتحدث بتوتر ولكنني وجدتُ نفسي أنفعل به: «آسفة سامي، لستُ بمزاج يسمح لي بسماع أى شئ الآن، لنتحدث لاحقًا، إلى اللقاء.» نظر لي سامي بحزن وهو يراقب انصرافس السريع ويودعني. عدتُ للمنزل ولكن تم الاتصال بي من الشركة واستدعائي فورًا، فذهبتُ سريعًا لمقابلة السيد نادر وسط دهشة العاملين بالشركة، دلفتُ لمكتبه بتردد، لأجده يجلس بصحبة شابين يبدو على مظهرهما الثراء. ولم أكد أتنفس حتى صرخ بي السيد نادر بغضب: «هل تعلمين ما كدتِ أن تتسببي به لنا من خسائر؟» «سيدي، أنا قد كشفتُ فسادًا كان يتلاعب بغذاء الناس.» حينها أجابني أحد الشابين بميوعه ساخرًا: «وهل هؤلاء الناس يؤثر بمعدتهم هذا الهراء؟ هم كانوا يتلاعبون بغذاء شعبي، وهؤلاء يتناولون ما هو أسوأ ولا يبدو عليهم أى تأثر.» نظرتُ لذلك الشاب بصدمة من كلامه، فرفع السيد نادر كفه يوقفه عن الحديث قائلًا: «تنتظر أنت سامي، استمعى إليّ يا فتاة، ما نجاكِ مني هذه المرة هو موقف وكيل النيابة الذي استعنتى به، فهو قد أحسن تكتم الأمر، ومنع النشر بالقضية، وجعل الأمر يبدو وكأنهم قاموا باختلاس أموال الشركة، وهذا ما شفع لكِ لأترككِ بعملكِ، شرط ألا تتدخلى فيما لا يعنيكِ مرة أخرى.» نظر لي الشاب الآخر وهو يتفحصني بوقاحة قائلًا: «الحقيقة لديها الكثير من الإمكانيات التى تشفع لها غير ذلك.» حينها شاركه المدعو سامي قوله بوقاحة وهو يتفحصني بدوره: «لد*ك حق مراد، رنيم إن لم تكوني مرتاحة بعملكِ هنا فيمكننى إلحاقكِ بطقم معاوني الخاص، الخاص جدًا.» همس سامي ابن السيد نادر الحقيقي بنبرة جريئة حتى شعرتُ بالقشعريرة، فهتف السيد نادر بغضب: «كفّا عن هذا يجب أن نعود بعد أن اضطرتنا تلك المتهورة للعودة بهذه السرعة، فلتنصرفى الآن ولا تنسي ما قلته لكِ» خرجتُ مهرولة وأنا لا أصدق رد فعلهم على صنيعي، وجدتُ نفسي بشكل لا إرادي أقارن بين أبناء نادر أشباه الرجال ورجولة سامي الذى حماني ودافع عني دون مصلحة لمجرد أنني قد طلبتُ منه ذلك، بين نظراتهم اللاهية ونظراته الحانية، ووجدتُ نفسي أشتاق إليه وإلى مساندته، فشعرتُ بالندم على معاملتي له بمقابلتنا الأخيرة ونفوري منه بمجرد أن علمتُ بحقيقة ظروفه، وأيضًا تجاهلي لاتصالاته بعدها حتى كفّ عنها بعدما وصلته رسالة تهربي من مقابلته، احترق قلبي وأنا أتذكر نظراته الحزينة لي وأنا خارجة من مركز الشرطة بعد أخذ أقوالي، حيث وجدتُه يقف متواريًا حتى لا أراه فتظاهرتُ بهذا بعدما استنتجتُ بأن سامح صديقه هو من أخبره بموعد حضوري فأتى ليراني من بعيد. بعد عدة أسابيع بحفلة صاخبة بأحد القصور الفخمة توتر سامي الذى يقدم المشروبات للمدعوين وهو يري إشارات حارس الأمن معتز الخفية المستدعية له، انتهى من توزيع ما يحمل وذهب إليه بعيدًا عن أنظار المشرف على عمله. ليسأله بضيق «ماذا تريد معتز؟ ستتسبب بطردنا سويًا يومًا ما.» «أنجدنى سامي، هناك سيدة حاولت الدخول بلا دعوة ورغم منعي لها تمكنت من مغافلتى والدخول أثناء انشغالي.» «مجددًا؟ هل جننت؟ لمَ لا تنتبه لعملك؟» «أرجوك سامي، وبخنى فيما بعد كيفما شئت ولكن الآن، ساعدنى أرجوك، لقد ذهبت بهذا الاتجاه بعيدًا عن المدعوين وهي ترتدي فستان سهرة بسيطًا ومحتشمًا باللون الفضي.» زفر سامي بضيق ونفاذ صبر وترك معتز واتجه للاتجاه الذى أشار إليه، ليجد فتاة بالمواصفات المنشودة تقف وهي تنظر للاتجاه الآخر، نظر لظهرها واقتحمت الذكرى قلبه تؤلمه بالذكرى القريبة فحاول السيطرة على مشاعره وهو يقول بحزم وخفوت: «سيدتى، من فضلك اتبعينى بهدوء.» صُدِم عندما التفتتُ لأطالعه ابتسامتي الحبيبة أقول: «بالطبع سأتبعك، فلطالما كنتُ بأمان معك.» أحسستُ به في هذه اللحظة، ربما انتابته مشاعر مختلطة، حب جم يكنه لي، وسعادة لرؤيتي، ولهفة للاقتراب واحتوائي، وغضب من تجاهلي له الفترة الأخيرة، وخذلان طعنه بقلبه لإحساسه لرفضي لحبه حين أوشك على البوح به، تملّكه شعوره الأخير فقال بمرارة ولوم: «هل أعجبكِ الأمر فاحترفتِ التسلل للحفلات بلا دعوة، أم أن هناك ما يهددكِ فتذكرتيني؟» نظرتُ له بندم وقلتُ اعتذار: «لا تقلق ليس لدي أي مشاكل، بل وضعي قد تحسن كثيرًا بعملي، فاستدعاء السيد نادؤ لي بمكتبه جعل الجميع يحترمني خوفًا من أن أكون على علاقة به ولا يعلم أي منهم أنه إنما استدعانى ليوبخني.» نظر سامي لي بصدمة ثم قال بغضب: «ولمَ يوبخكِ؟ أهذا شكره لكِ لكشف الفساد بشركته؟ لا تجعلي أحدًا يمس كرامتكِ لأى سبب، حتى لو اضطررتِ لترك العمل، ولا تقلقي فعلاقتى جيدة بجميع العاملين بالفندق ويمكنني أن أجد لكِ عملًا بقسم المحاسبة هناك.» شعرتُ بالسعادة لأطاهتمامه بأمري وثورته من أجل كرامتي، كما شعرتُ بالندم لعدم تقديره حق قدره منذ البداية، واقتناعي بمعايير فاسدة لتقييم البشر كادت أن تضيع عليّ هذا المثال الحى للرجولة. فقلتُ له بابتسامة: «لا تقلق، فقد سافر هو وولديه بعدها بلحظات ولن يعودا قبل عام على الأقل.» «إذًا لمَ شرف*نى بالحضور؟» «كما قلت، لقد أعجبني التسلل بلا دعوة، ليس للحفلات ولكن لقلب أحدهم، كان يعتقد أن ظروفه لا تسمح له برفاهية كالحب حتى اقتحمتُ حياته بلا دعوة، ففتح لي قلبه أبوابه على مصراعيها، ودعني أن أدخل اليه زوجة وحبيبة.» رددتُه بابتسامة، فنظر لي سامي بألم يقول: «ولكن سبق وأن رفضتِ دعوته.» «كنتُ مخطئة، كان لدي أفكاري الخاصة التى صُدمت بعرضه، ولكنني الآن على يقين أن قلبي قد قبِل دعوته قبل أن أجيب أنا، وأتمنى أن يكون قد شعر بهذا، ولا يكون قد سحب دعوته.» «القلب المخلص يقدم دعوته مرة واحدة، ولا يسحبها أبدًا، إذًا اتبعينى سيدتى فأنا لا أفضّل أن أفقد وظيفتى وأنا أخطط لبناء حياة جديدة.» قالها لي بهدوءٍ، فتبعتُه بابتسامة لنقابل معتز الذي ابتسم لصديقه سامي بحب وهو يهمس له: «أنت مدين لي بأن يكون أول أبنائكم اسمه معتز، فبخطئي الأول تعارفتما، وبخطتى الآن تصافيتما.» نظر له سامي بدهشة يسأله: «خطتك! كيف؟» «جاءت رنيم اليوم للفندق للبحث عنك وأنا من طلبتُ منها أن تأتى هنا، فللذكرى حنين يُلين قلبك العنيد.» «اتضح أنك خبير بأسرار القلوب يا صديقي.» «عد أنت الآن لعملك، حتى لا تُطرد من عملك بدلًا أن تُطرد من حياة العزوبية، وأنا سأخبر والدي أن يوصلها حتى بيتها.» «شكرًا لك معتز.» شكر سامي صديقه ثم نظر لي لدقيقة قبل أن يقول بابتسامة: «اذهبي أنتِ الآن مع العم أدهم، وسأنتظر الغد بشوق لمقابلة والدكِ.» نظرتُ لسامي بخجل شديد، ثم ابتسمتُ له قائلةً سؤالًا: «إلى الغد؟» هز سامي رأسه وعيناه تلمعان بالحب يجيبني: «إلى الغد يا غدي.» . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
Free reading for new users
Scan code to download app
Facebookexpand_more
  • author-avatar
    Writer
  • chap_listContents
  • likeADD