" لم اكن اظن ان الشظايا تت**ر.. حتى نظرت الى قلبي "
قراتها يوماً في احد الاماكن.. لا اهبها اهتماماً.. لكن لا ادري لما الان عادت فجاة لتقبع امام ناظري وفي مسامعي..
حين وقفت في وجهه.. انصت لما نطق به للتو.. هذا ماشعرت به.. قلبي بات شظايا.. تت**ر وتت**ر حتى مابقي منها جزء ولو بسيط ليتحدث عما اصابه.. شعرت بتلك ال**ور والمها تصيب اعمق خلاياي محدثة دمار وعذاباً هائل..
" انني ارفض طلبه.. انا لا اريد الزواج بكِ "
وهل هنالك عبارة اكثر جرحاً من هذه؟!. لا اظن..
شعرت به يصفعني بها.. فتقهقرت للخلف رغماً عني.. احاول ان ابقي جسدي حياً يتنفس.. ان ابقي ملامحي باردة لا تتاثر.. لكنني فشلت.. اعترف اجل..
لقد فشلت..
شظية جديدة ت**رت داخلي.. محدثة جرحاً عميق نازف.. جالبة دموع غزيرة الى عيني..
اقف هناك ب**ت واراه يطالعني مصدوماً.. اما كان يتوقع هذا؟!.. اكان يظن باني ساصفق له ضاحكة مجيبة..
" اجل.. معك حق.. فانا فتاة لا استحق ان يتم الزواج بها "
لكنني لم افعل.. ا****ة انا لم افعل..
بل وقفت مصعوقة.. **يرة وباكية.. اطالعه وكانه قتلني للتو وداس على جثتي..
" ينال!!! " همهم باسمي.. بصوت خافت نادم ربما.. فضممت فمي قوياً اجترع الغصة التي احكمت خناقها على حنجرتي.. ارف بجفني فاطرد الدموع لبعيد..
لا انا لست ضعيفة.. ليس الان.. وليس امامه على الاقل...
" انا لم اقصدها هكذا.. لقد عنيت باننا لسنا مضطران لفعل ذلك.. لكل منا حياته الخاصة.. صحيح؟. لما علينا ان نخضع لطلب جدي كما العادة.. الم يكن السبب في خروجك من هذا المنزل؟ "
لم اجبه.. لم اقدر.. اتململ في مكاني من جديد اسمعه يتابع
" اريد لك ان تكوني حرة في اختياراتك.. في حياتك.. لا اريد لاحد ان يتحكم بك.. ولا حتى انا.. وزواجنا هذا.. خطأ.. تعرفين بانه خطا.. صحيح؟ "
ايقنعني.. ام يقنع نفسه؟!.. لااعرف..
ارتدت بوجهي عنه.. لا استطيع اخفاء ان**اري لوقت اطول امامه.. اقترب برويد نحو النافذة.. اود ان اختلي للحظة بنفسي فافكر بما قاله.. بما برره... ازيد من قوة احتضان ذراعيّ لجسدي.. وكانني اخاف ضياعه او سقوطه.. اقف هناك بقرب النافذة وعيناي لا تريا شيء.. بركتان من الدموع.. جسد منهك متعب.. روح محطمة.. هذا ما كنت عليه..
زهرة صنوبر يابسة مرمية جانباً..
حتى اقرب اقربائي تنكر لي.. رفضني.. وباب*ع الطرق..
" ينال.. قولي شيء.. ان كان لد*ك راي اخر فاقسم باني مستعد لتنفيذ اي مما تطلبينه.. ان كان الزواج.. فانا موافق.. اقسم "
انتِ تحبين جاك.. تحبينه منذ الازل.. كنتِ.. ولازلتي.. لاشيء تغير ينال.. لاشيء...
مجرد اعترافي بذلك.. عنى حبل المشنقة لي.. النهاية التي رحت اهرب واهرب لايام منها..
حبي لجاك.. حبي الكبير له.. قتلني بدل ان يحيّني..
والان.. جاء هو ليزيد الامر سوء.. ليدفن جثتي عميقاً.. دون اية رحمة او شفقة..
فكيف اخرجها الان... كيف اساعدها؟. وكيف احييها من جديد؟!!!.
" انظري الي.. قولي شيء.. اي شيء.. اجيبيني فقط.. "
" لايوجد شيء لاقوله " نطقت حين استعدت سيطرتي على نفسي.. اسحب نفس طويل لرئتي المتالمتين.. احيد الدموع بعيداً عن مقلتي.. علي ان اعود ينال القوية الصلبة تلك.. التي عهدتها قبلاً لسنوات..
" سيبقى هذا منزلك دائماً.. ابقي هنا.. ابقي ينال.. "
" وابقى لافعل ماذا؟ "
" ساجد لك عمل في المصنع.. اي شيء تريدينه.. انت موريس.. و.. "
" انا لست موريس!!! "
ارتدت اليه لاصرخ بذلك.. فعبس مستغرباً ردة فعلي..
" لم اكن يوماً و... لا اريد ان اكون.. افهمت؟ "
" ينال!!.. "
" والان.. بعد ان قلت ما تريد قوله.. لم يعد هنالك اي مانع من رحيلي.. وداعاً جاك "
" لاترحلي هكذا.. " وهب نحوي.. بطريقة مفاجئة.. يصل الي في اسرع مايكون.. اصابعه تقبض بقسوة على ذراعي ليوقفني.. فابقيت وجهي بعيداً رافضاً ان ينظر اليه.. اهمس بصوت كالفحيح به :
" حررني "
" تحدثي الي.. انظري في عيني وتحدثي.. قولي ما بقلبك.. اخبريني بكل شيء.. يكفي اسرار ينال.. الم تتعبي بعد؟. يكفي اسرار.. اخبريني بكل شيء "
رغماً عني نظرت اليه، اجحده بقسوة حادة مجيبة:
" اتريد ان تعرف حقاً؟. اهذا ما يشغل بالك.. تلك الاسرار المخبئة؟.. اتظن معرفتها ستريحك؟. لا.. على الع** جاك.. " وحاولت التحرر من جديد اتابع:
" ستزيدك تلك الاسرار عذاباً.. لن تنم الليل بعدها.. كما حالي "
" دعي امر القرار لي.. اخبريني "
" لايوجد شيء لاخبرك به.. والان اتركني "
" لن افعل.. وستنطقين بما تخفينه رغماً عنك.. هذا يكفي ينال.. لما تكرهيننا؟. لما تكرهين هذا المنزل؟. اجيبيني.. لما هذه العجلة بالرحيل؟.. اعرف بان جدي هو من اجبرك قبلاً ربما لانك... "
" لم يكن جدي من اجبرني.. كان ذاك اتفاقنا.. ان اغادر المكان حين ابلغ الثامنة عشر "
" اتفاقكما؟! "
ضاقت حدقتيه بتساؤل مستغرب فمددت يدي ابعد اصابعه القابضة على مع**ي لاحرره ونجحت.. اعرف بانها ستترك علامة واضحة على بشرتي لاحقاً.. لكن من يهتم للعلامات الخارجية حين يكون الداخل محطم..
عيني جاك لم تتركاني وانا اتراجع خطوة للخلف عنه.. انظر في وجهه الجامد قبل ان اتابع
" عقدنا اتفاق.. ووفى كل طرف منا به.. هذا كل ما حصل "
" وما هي بنود الاتفاق؟ "
" الرحيل.. مقابل ال**ت "
نطقت بصوت مرير ادرك باني اقول اشياء غير منطقية ومفهومة له.. فازيده فضولاً.. لكنني تعبت فما عدت قادرة على السكوت اكثر..
" ال**ت!!!. اني احررك من سرنا يا ينال.. ما معنى هذا؟. ماهو السر الذي حررك منه؟.. اخبريني "
" مات السر مع جدي " همست بأسى احاول الابتعاد من جديد.. علي ان اغادر قبل ان افضح اموراً خطيرة.. لكن من جديد توقفت.. شهقت حين امسك جاك بي من كتفي وادارني نحوه.. يبدو غاضباً متجهم.. وفكه مقبوض بقسوة.. لم يخفف لون قميصه الابيض اي من السخط الذي يكلل ملامحه السوداء.. ولاحتى وسامة ملامحه ورقتها..
مخيف.. هذا ما كان عليه حالياً..
" ستقفين هنا وتنطقين.. رغماً عنك.. لن ترحلي قبل ان اعرف كل شيء "
" لاعلاقة لك بي.. ولا بما احمله داخلي.. انه ماضيّ انا.. لا انت.. الا تفهم؟ "
ووقفت اتحداه بفم مضموم.. اشعر باصابعه تغرز عميقاً في كتفي.. لكنني **دت.. وتحديت.. ولم اضعف..
" اخبريني.. الان "
" لايوجد شيء ل.... "
" الان.. " صرخ بي وهو يهزني بشدة.. بطريقة موجعة قاسية.. صوته حاد مهيب وعينيه كانهما شرارتا نار...
" ما الذي تريد ان تعرفه.. ها؟. ماضي الاسود الذي اخفيه.. ما اعلمه ولا انطق به.. ما منعت لسنوات من الافصاح عنه.. اخبرني؟ " رحت اتحدث بسرعة وجنون.. انفاسي لاهثة خائنة وفمي لا يتوقف عن النطق..
" اتريد ان تعرف حقاً.. قل لي؟. ان تعرف بان والدي قتل والدتي لانها خانته.. لانه عرف بان الفتاة التي رباها لسنوات هي ثمرة خيانة لعينة؟... فقتلها بكل بساطة "
" ما الذي.... "
" لقد اطلق النار عليها.. ثم لم يحتمل عذاب الضمير فقتل نفسه بعد عدة اشهر.. عائلة مثيرة مميزة تلك التي تربيت فيها!! "
وانتفضت بجسدي من بين ذراعيه.. فتحررت.. وجه جاك كان شاحب مصدوم.. فمه يتحرك ثم يعود فيغلق.. عينيه لامعتين مندهشتين..
" ما.. ما الذي.. تهذين به؟! من اخبرك بهذا؟! "
" لم يخبروني.. لقد.. رايت بأم عيني "
غاصت عيناي بدموع القهر لتذكر ذلك.. اترجع خطوة ثانية عنه.. ادير وجهي بعيداً.. نحو جانب النافذة كي لا ارى ردة فعله وهو يحلل ما نطقت به للتو..
" ماهذا الجنون!؟.. مستحيل!!.. هذا.. مستحيل!! "
" اخبرتك.. قلت لك بان معرفة تلك الاسرار ستزيدك عذاباً.. لكنك لم تنصت.. " وخفت صوتي اكثر ببدء تساقط دمعاتي
" لقد حررني من سرنا.. اجل.. لكنني لا ازال احمل بقايا ذاك القيد الذي قيدني به لسنوات.. حين منعني من الافصاح عما حصل.. حين اجبرني على ال**ت والسكوت.. سنوات.. اعتدت بها القيد.. وحين حررني.. لم.. لم اقدر.. لم انطق.. فضلت ال**ت من جديد "
" رباه!!. ينال! "
سمعته يخطو.. فتراجعت..
تراجعت عنه فانا لا ابحث عن مواساته ولا شفقته.. لا ابحث عن اي شيء منه..
" هاقد عرفت سري.. هل ارتحت؟. " والتوت شفتي بسخرية مرة.. اعيد عيني اليه لادقق به.. اراه صامت شاحب من جديد.. فاتابع
" السر الاخر الذي اخفيه.. ويكاد يخنقني.. فلا اجد منه تحرر ولا راحة.. هو.. " وسحبت انفاسي بثقل وخوف.. استجمع شجاعتي لاعترف بما اخفيه في وجهه فاهمس
" اني.. احبك.. احببتك مذ كنت صغيرة ولا زلت.. الى الان "
صفعته باعترافي.. ثم سريعاً.. وقبل ان يجد ما يقوله.. قبل ان انظر في ملامحه لاتبين خسارتي وان**اري ارتدت على عقبي وغادرت.. اهرب منه.. من مشاعري ومن نفسي..
اهرب من قيد اخر.. كتبه القدر لي.. ولففته انا.. بيدي.. حول عنقي..
***
" ينال!!!.. ينال عودي الى هنا.. تعالي يا ابنتي.. لا تركضي تحت المطر...... ينال!!!.. اين انتِ؟. اين اختبئتي؟.. عودي صغيرتي.. عودي لنتحدث بما جرى.... "
" سنسميه سرنا الصغير.. اتفقنا؟. ولن نخبر احد به... عديني بذلك.. عديني ان يظل ماحصل سر بينا.. هيا عديني يا ينال.... "
افتحت جفني على سقيع غريب يصيب اطرافي.. لا اعلم اهو الجو البارد خارجاً ام ذكريات ماضيّ التي طافت كما زبد البحر في راسي.. كلماته.. نظراته.. الاتفاق الذي عقده معي.. وانا.. تلك الصغيرة التي لم تتجاوز عامها التاسع بعد..
اعدت راسي برويد الى الوسادة...الظلام يحيط بي من كل حدب فاحاول استبيان ما اراه في سقف الغرفة.. تتوالى احداث ما جرى تلك الليلة امامي كانها شريط لفيلم خيالي صعب التصديق.. حين وقفت خلف الباب اشهد جريمة ترتكب في حق والدتي.. لا ادري ان كنت شجاعة كفاية لادخل فاوقف حدوث ذلك.. لكنني كنت جبانة..
لقد كنت جبانة!!!...
اغرورقت عيناي بالدموع فشوشت رؤيتي تماماً.. اصابعي شكلت قبضتين على الدثار وجسدي تسمر بالم مميت..
لقد رايته.. وهو يطلق النار عليها من مسدسه... شهدت روح والدتي وهي تخرج.. اصوات تاوهاتها المعذبة..
ولم افعل شيء.. لاشيء...
كيف كنت بهذا الجبن وتركتها لتموت وحيدة ضعيفة؟. كيف!؟...
استقمت في مكاني اشعر بالاختناق.. اقترب فاجلس على حافة السرير فامرر راحتي على ص*ري المتعب.. الدموع لاتفارق مقلتي كما الم الذكريات المريرة...
الى متى ساظل اسيرة هذا الماضي؟.. الن اتحرر يوماً من قيدي هذا؟!.
لقد تعبت... الهي.. انا تعبت..
واحنيت راسي بان**ار اتمنى زوال انفاسي لعلي ارتاح.. رباه كم اود ان ارتاح!!..
لقد عدت اليوم الى شقتي وهاهي اشباح الماضي تطاردني وكانني ماهربت منها يوماً..
وكيف امكنني ان انطق بسري هذا لجاك؟. كيف استطعت اخباره؟. امجنونة انا؟.
ورفعت يدي لافرك راسي وشعري.. اتنفس برويد عليّ ارتاح قليلاً..
هو من اصر... هو من اخرجني عن طوري.. اجاب عقلي الباطني..
تباً له... لقد اضاف جرح عميق جديد الى جروحي.. تباً له....
.....
كانت السماء لاتزال تمطر حين استيقظت.. اتخذ حافة النافذة العريضة في شقتي والمطلة على المدينة لاريح جسدي المنهك من الذكريات عليها.. احمل بين راحتيّ كوب قهوة ساخن واراقب نثرات الماء التي راحت تلطم الزجاج من بعيد.. نسمات الهواء تعبث بالمكان خارجاً كما يعبث الاضطراب والحزن بداخلي.. اعصار مخيف كان على وشك الهبوب بين اضلعي.. نار لظى ركدت في قلبي تنتظر اي انفجار لتتفجر.. وكم اخشى هذا الانفجار!!..
قلبت نظراتي في المكان مرتشفة القليل من الشراب تائهة وسط افكاري..
عشت لسنوات هنا.. مكاني الذي اخترته لاقيم فيه.. درست في الجامعة اعلام وتوظفت في القناة قبل ثلاث سنوات.. ولازلت في المكان والحال نفسه.. لا اعرف ضيفاً الا جدي ادريان.. وجيراني وبعض من اصدقائي..
لن اكذب واقول باني كرهت هذه الحياة.. لا.. في الحقيقة لقد احببتها.. كانت هادئة هانئة بعيدة عن ماضيّ المؤلم الذي اختبرته.. محاولة حثيثة للنسيان والمضي قدماً..
ووفاة جدي.. قلبت كل ذلك من حولي...
تنهيدة مريرة غادرت شفتي.. عليّ ان اعود الى العمل فبعد غد تنتهي اجازتي.. ان اردت الا اخسر عملي فعلي العودة فوراً.. وانا جاهزة.. اود ان اعود فاندمج بالجو وانسى مرارة ما مررت به..
رشفة جديدة من الشراب قبل ان يوفقني رنين جرس الشقة..
انه ماتيو مؤكد.. وعبرت ابتسامة خافتة الى شفتي.. اترك مكاني واضعة الكوب على الطاولة لاوافيه فافتح باب الشقة له..
تطالعني ابتسامته اللطيفة ونظرته المحببة.. يده تعبث بخصل شعره المتموج الاشقر وهو يهتف بسأم واضح
" لقد اطلتي الغياب.. لتكن المرة الاخيرة "
توسعت ابتسامتي وانا اتنحى جانباً له فدخل وسارع الى ضمي اليه
" هل انتِ بخير؟ "
سالني وذراعيه تشددان من احتضاني ففعلت المثل اجيبه
" بخير اجل.. ولا لن اغيب مجدداً.. لدي جد واحد وهو متوفي الان "
نطقتها بسخرية مرة ثم حررته وارتدت عنه لاسبقه فادخل للداخل.. اسمع خطاه في اعقابي وانا التقط كوب قهوتي عائدة الى المكان الذي تركته قبل ثوان عند النافذة..
" كيف كان الجناز؟ "
" كأي جناز اخر.. لاجديد "
" والوصية؟ "
مررت ل**ني على شفتي الجافتين اشرد من جديد في المشهد الخارجي الممطر فاتذكر ذاك اليوم.. قبل ان اهمس له
" كما توقعت.. لاشيء "
" اليس هذا ما طلبتِه؟ "
رففت بجفني الثقيلين.. اضم شفتي اللاتي ارتجفتا فجاة.. كما اصابعي حول كوب القهوة.. اشعر بيد ماتيو تلاطف كتفي الايسر بمواساة
" لم يعد.. يربطني بتلك العائلة اي شيء.. انه لامر مأساوي!! "
وتركت انفاسي لتخرج بعذاب.. ارف بجفني عليّ ابعد الدموع منهما.. احس بماتيو يقترب ليجلس على الحافة مقابلاً لي.. يراقب جانب وجهي قائلاً
" مجددا.. انتِ من طلبتي هذا.. صحيح؟ "
" فعلت.. اجل... وهو ما اريده "
" جيد.. لما الحزن اذاً؟ "
" انها حياة كاملة.. تلك التي احاول مسحها وتخطيها "
" الحياة غير عادلة "
(( الحياة غير عادلة ))
كررت جملته لمرات في ذهني.. اضم فمي بقسوة اكبر.. اريد منع ارتعاشه.. اتشبث بكوب شرابي اكثر.. صامتة.. لا اجد كلام لاضيفه بعد ذلك...
***
" هذا كل شيء.. شكراً جزيلاً لكم.. باتت الحلقة جاهزة "
هتف المخرج بنا جميعاً.. ف*نفست الصعداء بعد عناء يوم طويل في العمل..
لقد عدت بالامس.. ولازلت اشعر بانني غريبة عن هنا بعض الشيء.. نفس الاوجه.. والنظرات الفضولية التي تلاحق اي احد داخل هذا البناء بطبيعة الحال..
اتجهت بعد انتهائي نحو مكتبي المشترك مع شابتين في نهاية الطابق الثاني.. ازفر بتعب فقد قاربت الساعة على الرابعة والدوام بات منتهي.. ساعود الى شقتي لتناول وجبة سريعة والخلود للراحة اخيراً..
" لم يتوقف هاتفك عن الرنين "
همهمت لي زميلتي حالما دلفت الى المكتب.. فاتجهت مقطبة نحو مكتبي الخشبي لابحث في حقيبتي عن الهاتف.. اضيء الشاشة فارى عدة مكالمات لم يرد عليها من رقم غريب لا اعرفه...
" غريب!!! " تمتمت بحيرة.. ثم تركته لابدء بجمع اغراضي.. اتحضر للخروج من بناء القناة.. اودع زميلتيّ ثم احمل حقيبتي وهاتفي واخرج..
في المصعد وبرفقة عدة اشخاص اعرفهم عاد هاتفي من جديد للرنين.. الرقم الغريب نفسه.. ترى من يكون؟!. تساءلت وانا افتح لاجيب المتصل
" الو!؟.. "
" مساء الخير انسة ينال.. انا محامي جدك رحمه الله.. ساروس "
" المحامي ساروس؟!! " وعبست مستغربة اتصاله بي اسمعه يهمهم من الطرف الاخر
" نعم.. انا في المدينة.. واود ان التقي بك لامر هام.. ايمكننا ان نتقابل؟ "
" نتقابل؟!. لما؟. ما الداعي؟ "
" لدي امانة تخصك من جدك "
" امانة لي انا؟! "
وتململت في وقفتي.. المصعد توقف والناس خرجت ففعلت المثل اتشبث بيدي الاخرى بحقيبتي..
" اها.. امانة مهمة لك.. علي ان اسلمك اياها باسرع وقت.. هذا ما طلبه جدك رحمه الله "
" فهمت.. "
لم ادري لما توترت خلاياي فجاة.. وما الذي يمكن ان يتركه جدي لي؟. الم نتفق بالا يدرج اسمي داخل الوصية.. وبالا يترك لي اي شيء.. ما الذي يجري اذاً؟.
" حسناً.. لامشكلة "
" جيد.. اين يمكننا ان نلتقي؟."
" اتقصد اليوم؟ الليلة؟! "
" نعم.. فعلي السفر غداً.. العمل ينتظرني.. علي ان اراك الليلة "
" فهمت.. حسناً.. يمكننا ان نلتقي حيث تريد "
" ساحضر الى شقتك اذاً.. بتمام السابعة.. ايناسبك هذا؟ "
" شقتي؟. " وتوقفت قدماي عند الرصيف " اتعرف عنوان شقتي؟ "
" اجل مؤكد "
زفرت بعمق ثم اجبت
" حسناً.. لامشكلة.. اراك عند السابعة "
" هو كذلك.. الى اللقاء انسة ينال "
" الى اللقاء "
لثلاث ساعات ظلت التساؤلات تحيط بي من كل حدب.. راسي مشغول بما تركه لي جدي.. ولما الان؟.. لما ليس قبل مغادرتي للمنزل ذاك؟.
تناولت القليل من الطعام الجاهز وشربت كوب شاي ساخن.. استبدل ملابسي باخرى اكثر ملائمة لاستقبال ساروس قبل بلوغ السابعة بقليل.. ثم جلست على الاريكة مقابل التلفاز.. اشاهد ولا الاحظ ما اشاهده.. ذهني مشتت تماماً.. حتى حلت السابعة ورن جرس الشقة ف*نهدت مرتاحة من فضولي..
" هذا الملف لك انت.. تركه جدك لكِ "
تسلمت الملف البني منه.. ادقق به بعيون ضيقة فيما يتخذ ساروس الاريكة المقابلة لي.. يدنو ليغلق حقيبة عمله التي اخرج منها الملف قبل ان يتابع
" ستجدي فيها رسالة من جدك.. طلب ان تقرايها اولاً قبل ان تري مافي الملف.. اتفقنا؟ "
" لما الان؟. سيد ساروس "
تقابلت نظراتنا، يلتمع التساؤل في عمق عيني الزرقاوين.. فيما يجيبني هو :
" حين تقراين الرسالة.. ستعرفين "
ووقف سريعاً يحمل حقيبته فالتحقت به
" الى اين؟ "
" انتهى لقاؤنا.. الامانة وصلت "
" لكنني لا افهم شيء!! "
" ستفعلين.. ستفعلين "
ومنحني ابتسامة متعاطفة قبل ان يمد يده ليصافحني فاستجبت بوهن
" اعتني بنفسك جيداً.. اتفقنا؟.. فانت كنت حفيدة جدك المفضلة "
مجرد النطق بذلك آلم قلبي.. فضممت فمي لا اقول شيء.. اراقبه وهو يغادر شقتي ب**ت مريب.. يغلق الباب خلفه فاعود لاقف بمفردي وسط متاهة من التساؤلات..
عيناي تحدقان في الاسفل حيث الملف.. وقلبي يسارع من خفقاته.. ترى ما الذي يوجد فيه؟.
وبعدم احتمال جلست.. امد يدي لالتقطه فافتحه.. على الاسرار ان تكشف.. هذا يكفي..
ظهرت الرسالة اولاً.. ففعلت ماطلب مني.. اضع الملف جانباً لاقرا رسالة جدي بهدوء..
طالعني خط يده.. وهذا يعني بانها اكثر من خاصة فجدي لايكتب رسائله بيده الا نادراً.. تلاحق عيناي الكلمات على مهل فيما تتوقف انفاسي تاثراً..
[[ ان كنت تقراين هذه الرسالة... اذا فقد حصل ما اخاف منه.. وانتِ.. حفيدتي المدللة.. قد غدوتي وحيدة.. ولشدة ما يؤلمني الاعتراف بذلك.. لكن.. هذا يعني.. بان جاك لم ينفذ طلبي وتخلى عنك ببساطة.. وانا.. السبب المسؤول عن وحدتك هذه الان.. اعتذر يا ابنتي.. اعتذر لكل ما مررنا به معاً.. اعتذر لما قاسيته وعانيته بسببي وبسبب والدك.... ولدي كما اعتدت القول..
انت فتاة كبيرة الان وذات عقل راجح.. اطلب منك ان تضعي نفسك مكاني.. ان تحكمي على كل ما مررنا به بعقلك الذكي هذا.. ماذا كنت لتفعلي لو كان ابنك هو من فعل ذلك الامر الشائن... اخبريني.. اكنتِ ستبلغين عنه وتفضحين امره؟. لا ادري.. ربما اجابتك هي نعم.. وربما هي لا مؤكد.. لكنني.. صغيرتي.. لم استطع فعل ذلك.. ف**ت.. وساعدت.. واجرمت.. بحقك وبحق والدتك.. انا اسف.. سامحيني لكل ما مررتي به.. او.. حاولي ان تفعلي.. ارجوكِ...
اعرف بانك حزينة ووحيدة الان ولذلك.. وكتكفير عن خطاياي.. اقدم اليك في الملف ذاك كل المعلومات المهمة التي تؤدي الى.... والدك.. الحقيقي.. اسمه.. عنوانه.. عمله.. كل شيء.. فاذهبي يا ابنتي.. اذهبي وابحثي عنه.. جديه.. ولا تبقي وحيدة..
انت تستحقين السعادة الابدية العظمى.. تستحقين كل ماهو جميل.. لانك الاجمل والافضل.. لانك... حفيدتي المفضلة...
احبك جداً.. واقسم بانني ما احببت احداً بقدرك..
جدك... ادريان موريس ]]
.....
جلست لوقت لا ادريه، احدق بتلك الاوراق المرمية باهمال على الطاولة امامي.. الليل حل.. الرؤية تشوشت بسبب الظلام.. لكنني لم اترك مكاني لاضيء اي ضوء.. بقيت هناك ساكنة صامتة شاردة.. افكر ولا اجد سبيلاً لما سافعله..
كلمات رسالة جدي لاتزال عالقة في راسي المتالم هذا.. جسدي بارد متصلب.. اشعر به يكاد يموت ويفنى من كثرة الالام..
كيف الخلاص؟!. لا اعرف...
ماذا سافعل؟. الهي.. ماذا افعل؟.
اغلقت جفني الثقيلين على ذاك السؤال الموجع.. ماذا سافعل؟.
دمعة دافئة **رت برودة وجنتي لتنساب على طولها حافرة اثر عميق فيها.. اثر داخلي وخارجي.. تلتها دمعات ودمعات...
سيل لايتوقف.. يتحول ببطء الى نشيج خافت...
يريد مني ان اسامحه... وهل انا قادرة على المسامحة؟. كيف اسامح.. وكيف اغفر؟. بعد كل ما مررت به.. وهل كنت سافعل المثل لو وقعت في موقفه ذاته؟. لا ادري..
سؤال اخر لا اجد له جوابا...
مؤلم ان يؤذيك اقرب الناس اليك.. والاكثر الماً ان تظل على حبه رغم كل ما اقدم على فعله بك..
اصابعي الباردة تلامست في حضني، افركها ببعض عليّ اجلب اليها بعضاً من الدفء.. اشعر بها متيبسة على الرغم من ارتجافها...
ماذا سافعل؟...
الهي... ماذا سافعل؟.......
*-*-*
" قادمة!! "
فتحت الباب لي امراة لا تتجاوز الخمسون من العمر كما يبدو.. شعرها قصير ذو لون احمر وطولها متوسط بحجامة صغيرة.. تنظر في عيني بتقطيبة لطيفة قبل ان تتساءل
" كيف يمكنني ان اخدمك؟ "
" أ... انا... " انفاسي توقفت حين تقابلت بها.. وشعرت بجسدي يرتعش توتراً، اتململ في وقفتي امامها مجيبة بصوت خافت
" لقد.. تهت عن المكان.. اني سائحة هنا.. خرجت سيراً على الاقدام وتهت.. لم اجد الا هذا المنزل سبيلاً لي.. اعتذر عن الازعاج "
راقبتني السيدة بعيون ضيقة وكانها تحاول الحكم علي من مظهري.. معطفي الاسود القصير وبنطالي الجينز.. وشاح بلون رمادي واسود يحيط بعنقي.. وقبعة رمادية تغطي راسي الا بضعاً من خصلات الشعر التي ابت الا ان تتمرد في هذا الطقس البارد..
ارتعش جسدي من جديد فبدا وكانها تعاطفت معي.. تزفر انفاسها بعجز قبل ان تتنحى جانباً سامحة لي بالدخول..
ومن هناك خطوت نحو منزل من يدعى والدي.. الدفء لفحني بمجرد ان دلفت.. الجو الحميمي المريح والرائحة العذبة لطعام ما.. الضوء الساطع وضحكات طفل صغير قادم من غرفة اخرى..
" تفضلي يا ابنتي.. تعالي "
" اشكرك.. واعتذر مجدداً.. لقد حل الظلام علي ولم الاحظ "
" لاباس.. سنجد حلاً لك مؤكد.. تفضلي "
قادتني نحو غرفة جانبية بدت غرفة جلوس ف*نهدت مرتاحة.. اقف بمفردي وسطها بعد ان غادرتها فرحت اتاملها بفضول شديد.. امد يدي لانتزع المعطف عني فاظل بقميصي الابيض اضعه جانباً على الاريكة برفقة حقيبتي.. ثم الحق به قبعتي..
احتاج لرؤية المنزل الذي يخص من وهبني الحياة.. وقد وجده جدي لي.. مع الاسم والعنوان والصور... وها انا ذا هنا.. اتخذ هذه الخطوة المخيفة...
اخطو وانا ارتب خصل شعري المبعثرة في المكان.. نحو مدفاة جانبية حجرية.. امد يدي لاستمد بعض الدفء منها لاصابعي المرتجفة قبل ان تقع عيناي على ما فوقها....
مجموعة اطارات لصور عائلية.. تتضمن ثلاث فتيات وصبي.. المراة التي فتحت لي الباب والتي تبدو والدتهم.. وصورة محايدة لرجل عرفته على الفور...
والدي.......
لقد رايت صورته في ذاك الملف.. ولكنه هنا يبدو اصغر سناً.. الكثير من الصور للعائلة مجتمعين معاً.. ضحكات ولمسات وحفيدة صغيرة.. صور تركت غصة شائكة في حنجرتي.. يبدو الجميع سعداء.. تباً... سعداء جداً...
التمعت الدموع في عينيّ لقسوة ما ارى.. فها هو الرجل الذي احمل دمه يعيش حياة سعيدة هانئة فيما عشت انا بجحيم.. لا اعرف والدة ولا والد.. تائهة وسط عائلة لا احمل دمائها..
" مساء الخير "
لم انصت لصوت الباب وهو يفتح وسط شرودي وحزني.. ولذلك ارتدت امام الصوت الرجولي سريعاً لاراه... يقف خلفي بثقة وصلابة... يراقبني ويدقق بملامحي بطريقة اوقفت قلبي عن النبض...
هانحن ذا يا ابي..
وجهاً لوجه.....