في موقعٍ ما، حينما أبتلع الظلام زوايا عديدةٍ منه، لا ي**ر سواده إلا مصابيح بيضاء بأحجامٍ متوسطةٍ عُلقت على مسافاتٍ مُتباعدة.
أرضيةٌ صُلبة وجدارٌ متين، سقفٌ اتخذ من باطن الأرض هيئةً له.
كل ما يعرفه سيهون أن هذا المكان يبعدُ أمتارًا عديدة عن سطح الأرض، وكيف لا وهم يحمون أنفسهم من بطش الجبروت وخُبث نظيره.
بعد مُحادثة جوزيف وسيهون، ما كان على الأخير إلا أن يلجأ لملاذه الأخير، ألا وهم المُستعصون!
ولِمَ لا يفعل بعدما نكث بعهدهِ لوالده؟!
إنه لحملٌ ثقيل أن تكون مسؤولًا على ابن أحد المُخبرين الخاصين بمن يقع على عاتقهم تخليص الأرضُ من إلهيّ الشرق والغرب.
اجل، فوالِدُ جونغكوك كان أحد الجواسيس الخاصين بالمستعصين، وصديقٌ لأحد أهم كبارهم ألا وهو والد سيهون.
والد سيهون قد أرسل فتاه الصغير بعدما أرشده لمهمته برفقةِ ابنته الأصغر مين را وزوجته، بحجةِ نفيهم من المملكة الغربية، كان ذلك إخلاصًا لصديقه الذي لم يتمكن من العودة الى المملكة الثالثة وتوفي بعدما أنشأ اسرةً له ببيتٍ صغير ومزرعةٍ قُرب الحاجز.
لا تدري أنت أهميةَ أن تجدَ صديقًا يُشاركك لحظاتك جميعًا في غياب والدكَ وإنعدام وجود أخوةٍ لك، كان جونغكوك وحيدًا لأمه التي توفيت حينما بلغ السابعة عشر من عمره، أي بعد وفاة والده بخمسةِ سنين.
المستعصون قومٌ نُبذوا من الغرب لأسباب عديدةٍ وأوقاتٍ مختلفة، قرروا عدم الخضوع لنظيرٍ لا يختلف عن دونغهي كثيرًا وبنوا لهم مكانًا لم يكتشفهُ أحدٌ، لا أجهزة دونغهي ولا عيون بيكهيون المُتمثلة بحرس الحدود.
هم الذين يرفضون الاعتراف بأي إلهٍ سوى الإله الاعظم، رب الكون ومُنشأهُ.
بأدواتهم الخاصة مُعتمدين على خبراتهم التي طوروها أو اكتسبوها من الغرب، أنشؤوا لهم مملكةً تحت أرضٍ ما لم يعرفها سيهون بعد، تلك المملكة سُميت تَيَمَّنًا بصفتهم الأساسية.. المُستعصون؛ لم تقنعهم قوة دونغهي وذكاءه ولا ألحان بيكهيون وكلماته.
يُقنعهم أمرٌ واحد، أن لفظة المولى لا يستحقها البشر؛ المولى أَجَلُّ وأسمى من أن يُنسب لخطاءٍ يُفرق بين عباده أو أن يكون قلبهُ مسكنًا للكراهيةِ والإنتقام.
هناك من هو أجدَرُ من الخَلقِ بالإلوهية، من يكون مقامهُ أرفع من أن يسكن دهاليز الكون فتحطُ رحاله على الأرض، هو ذلك الذي يتخذ من أعالي السماواتِ عرشًا له، كأثمن ما في الوجودِ يتَّرفعُ عن متناول البشر.
تلك المملكة يقودها ذلك الإله العظيم من خلالِ قلوبهم النقية وعقولهم المُستنيرة، مُقتدين بأسوتهم العالم الفيزيائي العربي سامي يعقوب.
سامي كان صاحبًا لفكرةِ المملكة الثالثة، بعدما لاحظ عدد الرافضين لمملكتي الشرق والغرب هو قرر إنشاء مملكةً للسماواتِ على الأرض.
يُساعدونه في تولي مسؤولية هذهِ المملكة عددًا لا بأس به من المُفكرين، العلماء والعسكريين.
كل تلك المعلومات كانت معروفةً لسيهون منذ صغره، وسريةً عن جونغكوك ومين را، تولى المسؤولية في الخامسة عشر ولا زالت في متناول يده.
عاد سيهون لموطنه الأم لاهفًا لرؤيةِ والده، لكنه صُدِم بحقيقة وفاته قبل ثلاث سنوات.
رمش بعينيه سريعًا مُستفيقًا من جولة الذكريات السريعة تلك حينما لاحظ دخول خيالة المُستعصين، والذين قاموا بإحضاره وش*يقته سرًا بعدما غطوا عينيهما تحسبًا لأي مشكلةٍ في المستقبل، قد يكون أحدهما خائنًا! قائدُ هذه الفرقة جانغ هوسوك لا يثق بالغرباء، وهذا كان أكبر وأعظم درسٍ لقنه والده له.
بأمرٍ من السيد سامي قام هوسوك بإختيار أفضل خيالته وقادهم نحو الشرق بمهمةٍ سماها مجلس شورى المُستعصون بـ "الانتحارية"، لكن ها هو ذا هوسوك يقود فريقه للحدود مُجددًا للإطمئنان على مملكتهم من عيون بيكهيون المُترصدة؛ للعثور على جونغكوك ومكانهم، لابد أن حقيقة وجودهم قد ثبت صحتها بعد الإشاعاتِ التي بثوها بأنفسهم؛ فيضعهم بيكهيون في حسبانه وليشعروه أنه مرفوضٌ كدونغهي.
المساكين لا يعلمون بالقنبلة المؤقتة التي زرعها شيطان الشرق فيهم والمتمثلةُ بجونغكوك.
يعلمون جيدًا أن الأخير ليس على ما يُرام وكما حلل تصرفاته ونظراته الاستاذ جونغوون، أحد طلبة بيكهيون سابقًا.
جونغوون كَبُرَ وهو يذكر أصابع استاذه كيف تعزف بإتقان، فكان ذلك دافِعًا وحافزًا كي يكون مثله.
وبمرور الأحداث وبعدما تم نفي بيكهيون، جونغوون كان لا يزال يعمل على قدراته سرًا في مملكة الغرب، كما أنه درس وتخرج على يد إيڤانكا نفسها فيما يخص علم النفس؛ لولعه في مزج الموسيقى بالنفس البشرية، ما أن كشفهُ أحد العامة من الغرب حتى أوشى به للسلطات، فكان ضحية الطرد من تلك المملكة.
احتضنه السيد سامي في كنفه ووفر له كل ما يحتاج، فبات استاذًا لا يُستهان بقدراته.
وها هو ذا قد شعر بخطورة جونغكوك ورَجحَ إمكانية سيطرة بيكهيون عليه من خلال حقن أفكاره ببعض المعلومات المسمومة.
وعلى أثر ذلك، حُبِسَ جونغكوك وَحيدًا في أقصى سجون المملكة تحت مراقبة مُشددة ومُكثفه.
راقب سيهون القائد هوسوك وهو ينزل عن خيله بنظراته الجادة، لم يرى تعابير غيرها على وجهه منذ وصوله.
شعر بكف مين را وهي تلامس ذراعه :
" ألن تجلس؟ "
التفت مُخفضًا نظره إليها، وجد نفسه يقف على مقربةٍ من طاولةِ الطعام التي كانت تجلس حولها ش*يقته برفقةِ صديقتها الجديدة تاميرا، في الباحة الواسعة للمملكة والتي تعدت مساحتها الـ ٢٠٠٠ مترًا طولًا والـ ١٥٠٠ مترًا عرضًا.
ثُرياتٌ بوهجٍ ذهبي تبتعدُ كل واحدةٍ عن الاخرى مسافة المتر الواحد وعلى طول وعرض المكان.
تلك الباحة بدت كما لو أنها سوقٌ مُصغر لما تحتويه من كافة المحلاتِ التجارية، والتي تُغذي محتواها من قاعاتٍ شكلت مصانع صغيرة لكافة احتياجات المملكة.
في منطقةٍ ما قُرب بوابة الدخول وقبل ممر الخروج الطويل كانت هناك العديد من طاولات الطعام المُنتشرة بمساحاتٍ صغيرة قُرب مطعمٍ ما.
يتفرعُ من زوايا الباحة المُختلفة العديد من الممرات التي تؤدي الى البيوت السكنية وأماكن اخرى تمثلت بمراكز القيادة وغيرها.
ابتسم لش*يقته واقترب منها ليجلس بجانبها :
" سأفعل "
" قطعة الشوكولاه حَضرت لنا هذا الطعام، أليس هذا لطيفًا؟! "
قالت مين را وهي تنظر لتاميرا ببسمةٍ واسعة والتفتت تسأل ش*يقها
" شكرًا لكِ تاميرا، أقدرُ لكِ هذا "
نظر سيهون اليها وقال باسمًا
" هنيئا مريئا صديقاي "
تحدثت تاميرا بصوتها الأنثوي العميق ببسمةٍ صغيرة
زفر سيهون بخفوتٍ وهو يفتح علبته البيضاء التي تحوي على حساءِ الدجاج وبجانبها عُلب أخرى، خمن سيهون أنها تحتوي على سلطةٍ ما وأزرٌ طُبِخَ على الطريقة الكورية؛ رائحتهما اغرقت حواسه للذتهما.
اكتفى سيهون بعلبة الحساء دون رغبةٍ منه في تناول طعامٍ اكثر وصديقه في غرفةٍ مُظلمة قد تكون باردة وقد يكون جائعًا.
---^---
" إنه لويس آرياس، ابنُ مُستشار والدي، سيكون مُستشارًا لي نظرًا لخبرته في هذا المجال؛ قد درس سنين عديدة في روسيا وقد عاد ليخدم بلده "
تحدث ڤيرنون مُشيرًا الى لويس خاتمًا حديثه ببسمةٍ وجهها اليه
انحنى لويس باسمًا وزيه العسكري الأبيض وحدوده الذهبية قد شكلت مع ملامحه السمراء لوحةً أزعجت دونغهي لجاذبيتها.
كان الاخير يجلس بجانب ڤيرنون على كُرسيين مُنفصلين في حديقة الامبراطور الخاصة.
على يمين الجبروت يقف الكولونيل آرثر ثم جونغهيون، وعلى يسار ڤيرنون تقف ديلابرا ورجلٌ منتصف القامة ب*عرٍ أشقر وبشرةٍ بيضاء سُمي بالجنرال أركون.
" القيادة و السياسة لا تُعَلَم جلالة الامبراطور، أنهما صفتان تُكتسب، الأولى فطريًا والثانية بفطنته "
اجابه دونغهي ببرودٍ دون النظر الى أحدٍ منهما
" سأبذل جهدي في خدمة اليونان سيدي "
تحدث لويس بعدما استقام ببطءٍ مُستغربًا انزعاج الآخر
" أرجو أن تكون مُطيعًا سيد لويس "
رد دونغهي كان أكثر برودًا وساخرًا بحدته، كان يبدو كما لو أنه يُهدده بالمجهولِ إن عصى أمرًا
" من البديهي ذلك "
اجابه لويس
رفع دونغهي نظره إليه بحدةٍ؛ هل تجرأ توًا وأجاب مولى الغرب؟
بسمة صغيرة لاحت شفتيّ الجبروت فصنعت مع شراسة نظراته ملامحًا خشى ڤيرنون مّما يتستر خلفها من شرٍ
" تأكد أن قراراتنا لا تُخالف قوانينك أو حتى تقترب من تعارض مصالحك "
تحدث ڤيرنون مُحاولًا إخماد حرب نظراتهما المُتحدية.
" مُتوقعٌ من العُقلاء ذلك سيد ڤيرنون "
تحدث دونغهي دون أن يُحرك ناظره عن لويس
" لا أنوي شرًا، أرجو فقط أن تضع مصالح اليونان في اعتبارك كما نضع ما يخصك في اعتبارنا "
تحدث لويس باسمًا بهدوء
" اليونان، حتى الآن مُدللة "
اجابه دونغهي رافعًا حاجبه الأيمن مُتكأ بظهره الى كُرسيه خلفه، بذلك قد أشار له بكونه قد تخطى حدوده وهو لا يزال يتنفس حتى الآن
اقترب جونغهيون من دونغهي وانحنى إليه هامسًا، ثوانٍ حتى اومأ دونغهي ليبتعد الآخر عنه :
" علي المغادرة الآن "
تحدث دونغهي بعدما التفت لڤيرنون
" سيتم إبلاغك بأي جديدٍ جلالتك "
اجابه ڤيرنون باسمًا
ربت دونغهي على كتف الآخر ونهض مُغادرًا فأتبعه الكولونيل وجونغهيون.
" جلالتك؟! "
تساءل لويس ساخرًا
" لا تؤذيه كي لا يؤذيك، احترمه كي يحترمك، إنها سياسته "
اجابه ڤيرنون رافعًا فنجان قهوته لشفتيه
" لِمَ بدا غاضبًا مني؟! "
تساءل لويس وعينيه تُراقبان بإنزعاج ابتعاد الجبروت
" رُبما فكرت بشيءٍ ما بينما كنت واقفًا أمامه "
اجابته ديلابرا
" لم أفعل، هل انا ا**ق لأفعل ذلك؟! "
اجابها ناظرًا اليها
" في كثيرٍ من الأحيان يبدو مُبهمًا، لا تُشغل نفسك "
ردت ديلابرا باسمة
زفر لويس مُعيدًا نظره لدونغهي الذي التفت لتوه يمينًا تاركًا الممر خلفه يعبق برائحة بروده وغرابته.
يبدو أنه سيعاني من ذلك الجبروت كثيرًا؛ رفضه للسخرية والإستنقاص من قيمته ودولته مرفوض كما هو لدونغهي الذي يُضيف الشر عليه صفةِ السخرية، تناقض شخصيتهما سيدفعهما لخوض معاركٍ كثيرة.
ليس من المنطقي أن يغضب شخصٌ كدونغهي للاسببٍ أو لأمرٍ تافه جهله لويس، ما مشكلته؟
---^---
غرفةٌ جلسَ فيها عددٌ من خيرةِ أطباء مملكة الشرق، بُنيةُ الجدران كُحليةُ الأرضية.
ثُرياتٌ صغيرةُ الحجم زينت سقف الغرفة مشرقةً بضوئها الذهبي.
كراسي خشبية فخمة الطراز مُستقرين عليها، مُقابلين منضداتٍ رُخامية تحمل على سطحها عددًا من الكتب الطبية كثيرة الصفحات كبيرة الحجم.
تميزت تلك الغرفة بكونها عازلةً للصوت، تُقابل غرفةً أخرى يفصل بينهما زجاجٌ سميك؛ كي يسمح للجالسين فيها من رؤية بعضهم.
في الغرفة الاخرى جلس بيكهيون ومعه كمانه الخاص، يعزف على اوتاره الحانه الخاصة.
قامت ڤيولا بإنتقاء هؤلاء الاطباء بنفسها، مُعتمدةً على اخضاع كل واحدٍ فيهم الى اختبار دقيق؛ فبعد إعدام الفريق الطبي السابق بدأ بيكهيون وڤيولا على تجهيز معزوفةٍ الغرض منها تنشيط أجزاءٍ من الدماغ وجعله يعمل بطاقةٍ قسوى لأجلِ تعويض مكان الفريق السابق.
غرفةٌ ثالثة تقابل الغرفتين معًا لا يفصل بينهم سوى حائطٌ زجاجي بنفس سماكة الأول، هذه الغرفة خُصصت لمُراقبة بيكهيون والأطباء معًا.
وفيها وقف جوزيف والكولونيل تايهيونغ برفقة ڤيولا أمام مجموعةٍ من الحواسيب، التي يقبع مُختصوها جالسين أمامها.
انهى بيكهيون عزفهُ ففتح عينيه مودعًا عالمه السحري ذاك، رفع نظره حيث الأطباء الذين كانوا في حالةٍ من الخمول، ملامحهم يشوبها الضياع.
ابتسم مولى الشرق واقترب من لاقطة الصوت أمامه قائلًا :
" بإمكانكم نيل قسطٍ من الراحة لعشرةِ دقائق، ثم ابدؤا بعملكم "
ابتعد عن اللاقطة واضعًا كمانه على منضدةٍ كانت بجانبه، وسار خارجًا من الغرفة.
استقبلته زوجته ببسمةٍ كبيرة مُباركةً له إنجاز سمفونيته الفاتنة تلك، لم تتمكن من سماع معزوفته بالطبع؛ خشية أن تتأثر بها، لكن بيكهيون بالتأكيد قد برع فيها.
قَبلَ رأسها بخفةٍ والتفت لنائبه والكولونيل بعدما أحاط خصر زوجته بذراعه :
" نلتقي بعد وجبة الغداء، حسنًا؟ "
انحنى الاثنان قائلين :
" امرك مولاي "
اومأ بيكهيون برأسه مُبتسمًا وغادر برفقة زوجته وهو لا يزال يُحيط خصرها، كان باسم الشفتين غارقًا بسعادة زوجته له.
دونغهي يُرهق شعبه بالتعليم لسنوات بينما نظيره بدقائق معدودة سيصنع أطباءً يعتمد عليهم في تطوير الكثير من ال*قاقير.
معزوفته هذه كانت نتيجة تفكيره المُكثف خلال الأيام الماضية، كان كلما شَكلَ لحنًا عزف جزءًا منه على مسامع زوجته؛ يستمع لرأيها بدقةٍ ويحاورها حول إكمال معزوفته.
يُقال أنك لن تصنع مجدك إلا حينما تكبلك الحياة بشرورها ومصائبها، وهذا ما حدث لبيكهيون.
" جلالتك، أليس من الغريب أن تكون الرؤية معدومةً بعينيّ جونغكوك الى الآن؟! "
تساءلت ڤيولا وهما يمشيان مُبتعدين عن غُرف الموسيقى، كان الأمر عجيبًا ألا ترى شيئا بعينيّ جونغكوك حتى هذه اللحظة
" غريب؟! على الع** حُلوتي، هم يشكون أنني فعلتُ له أمرًا ما، بحقكِ! كان عندي لأيام عديدة ولا تُريدين منهم حبسه؟! "
اجابها باسمًا، كان متأكدًا أنهم قد حبسوه في احدى سجونهم؛ تحسبًا لأي مفاجئةٍ غير سارة قد يُبديها جونغكوك
" المسكين، أرجو أن يكون بخير "
تن*دت قائلة
" ما من مسكينٍ غيري، أين جُرعة النعيم الخاصة بي؟ لم اتناولها هذا الصباح! "
اجابها ثم همسَ على مقربةٍ من اذنها
" بحقك! عليك تناول الغداء الآن وأن تستريح، تنتظرك الكثير من المهام صدقني "
قالت باسمةً ثم أكملت مُحاولةً الابتعاد عنه
أمسكها من رسخها بشيءٍ من القوةِ وسحبها لغرفةٍ ما كانت على يساره، فتح الباب ببطءٍ وعيناه تبحثان عمّن فيها.
ابتسم عاضًا على شفته السُفلى ودخل ساحبًا إياها خلفه بعدما اكتشف خلوها من أي شخص.
" بيكهيون! "
قالت بعجبٍ
دفعها بخفةٍ نحو باب الغرفة التي أحكم إغلاقها وتقرب منها، يدهُ اليُمنى لامست فكها بنعومةٍ والأخرى أحاطت خصرها بحميميةٍ، همس :
" القليل من هذا لا يُعتبر مضيعةً للوقت، بالنسبة لي؟ إعادة شحن للطاقة! "
لم تستطع منعه او إبعاده، اكتفت بالإبتسام خجلًا والتمتع بقبلاته ولمساته تحت لحن أنفاسها وزفراته.
عند الكولونيل ونائب المولى، كانا قد خرجا توًا من تلك الغرفة، يمشيان ب**تٍ كبير؛ كُلٌ منهما هائمٌ في بحر أفكاره.
" حضرةَ الكولونيل؟! "
تحدث جوزيف مُحاولًا جذب إنتباه الآخر
التفت تايهيونغ برأسه نحوه بعدما رمشَ بخفةٍ مُبتعدًا عن افكاره، أكمل جوزيف حينما لاحظ نظرات الكولونيل التي حثته على الحديث :
" ألم يُخبرك المولى عن سبب ترك جونغكوك لتلك المجموعة؟! "
" قال أنه القى وجلالة زوجته ترنيمةً على مسامعه ستجعله عبدًا صالحًا له "
اجابه تايهيونغ مُعيدًا نظره الى الأمام
" ما فائدةُ ذلك؟! "
**ت تايهيونغ قليلًا ثم تحدث :
" لم يخبرني! "
" سألته حينما فسر لي ما حدث، لم يُجبني! "
" رُبما كي يعثر على تلك المجموعة ويقضي عليها "
" لكنه توعد بدونغهي "
" قد يكون دونغهي من أسس تلك المجموعة "
بُرهةٌ من ال**ت سادت بينهما حتى زفر جوزيف قائلًا :
" الأمر مُحير بحق، المولى لا يُخبرنا بكل شيء "
" من الطبيعي ذلك؛ فالخونة أحاطوا به من كل جانب "
قال تايهيونغ عاقدًا حاجبيه
" أرجو أن يمضي الأمر على ما يرام "
هسهس جوزيف عاقدًا حاجبيه بحيرة؛ لم يكن مطمئن القلب ابدًا
---^---
مضت أربعةُ ايامٍ على إعلان ڤيرنون إمبراطورًا لليونان، وها هو وحاشيته يُسافرون عائدين لعا**ة الغرب.. سيؤول.
كان دونغهي يسير وزوجته نحو مركبته الخاصة حتى رأى لويس يستعد للرحيل معهم، احتدت عيناه رافضًا ذلك، فطلب من زوجته البقاء عندها وأن تنتظره قليلًا.
تحرك نحو لويس الذي كان يقف على مقربةٍ من ڤيرنون، يتحدثان عن امرٍ ما بلغتهما.
" من الجيد رؤيتك تهم بالرحيل معي وملامح السكينة تعتلي وجهك "
قال دونغهي باسمًا لڤيرنون
" صباحك سعيد جلالتك "
تحدث ڤيرنون باسمًا
اومأ دونغهي باسمًا ثم حول نظره للويس قائلًا :
" سمعتُ إنك ستبقى هنا وتعوض مكان الامبراطور "
ضيق لويس عينيه مُستغربًا كلماته، كيف للمستشار أن يبقى خلف حاكمه؟! عليه الرحيل معه!
" عذرًا لكن ما سمعته خاطئ! "
تحدث لويس بنبرةٍ تص*ر من شخصٍ يكبت إنفعاله
التفت دونغهي لڤيرنون رافعًا حاجبه بتساؤلٍ :
" هل أعاني من مشكلةٍ في سمعي سيد ڤيرنون؟! "
مُقلتي ڤيرنون توسعتا قليلًا حينما فهم مقصد دونغهي أخيرًا، لا يريد من لويس المجيء!
بحق السماء لِمَ هو يبغضه؟!
ازدرد ڤيرنون رمقه وقال بهدوء ناظرًا للويس :
" لا مولاي، لويس سيبقى هنا بالفعل "
" بحق الـ..؟! "
لدهشةِ لويس هو لم يستطع إكمال جملته حتى
اومأ دونغهي برضا مُربتًا على كتف ڤيرنون وتحرك عائدًا لمكانه، لم يبتعد كثيرًا حتى أنفجر لويس قائلًا بهدوء ع** ثورانه الداخلي :
" يتبعك مُستشارك أينما رحلت، لِمَ ترفض أن أتبع الامبراطور حضرة المولى؟! "
اختتم جملته ساخرًا
" لويس! "
همس ڤيرنون صاكًا على اسنانه؛ لا يريد أن تنشب حربًا بينهما، فالخاسر واضحٌ للجميع.. أوليس؟!
توقف دونغهي والتفت بعد برهةٍ، بخفةٍ ل*ق شفته السفلى وابتسم قائلًا :
" أنا أحكم نصف الكرة الأرضية حضرة المستشار "
سخر في نهاية حديثه، أكمل بملامحٍ هادئة :
" لا أعتقد أن الامبراطور بحاجةٍ لمُستشارٍ بينما يملك عقلًا سيساعده في تولي أمر دولةٍ واحدة "
نظرةٌ حادة رمقها دونغهي للويس والذي كان مُغتاظًا بالفعل، التفت الجبروت وأكمل طريقه.
شد ڤيرنون على رسخ لويس مُحاولًا إبعاد ناظر الاخير عن مولى الغرب؛ لقد كان ينظر إليه بغضب وحاشيته تُحيط بهم، سيقعون بمشكلةٍ كبيرة!
التفت لويس هامسًا بغضب :
" أرأيت ما فعله؟! "
" لا بأس ليست بالمشكلة الكبيرة "
همس ڤيرنون مُحاولًا التخفيف عنه
" كيف ستتولى أمورك هناك؟! ألن تحتاجني حقًا؟ "
" سأجد طريقةً اتواصل بها معك، لا تقلق "
زفر لويس لاجمًا غضبه مُغمضًا عينيه؛ تصرف معه دونغهي بإستحقارٍ واضح هذه المرة.
في تلك اللحظة نزلت ديلابرا من السلالم العريضة رخامية الدرجات وهبطت بكعبها على الارضية الناصعة لباحة القصر الأمامية.
وصلت ديلابرا دون أن تنتبه لجهنمية ملامح لويس أو إنزعاج ڤيرنون. قالت :
" ألن نذهب؟ "
اومأ ڤيرنون بنعم وقال :
" بلى، هيا بنا "
تحركت بعدما مشى أخاها خارجًا، توقفت حينما أنتبهت أن لويس لم يمشي معهم، فألتفتت برأسها مُتسائلةً :
" لويس؟ هيا! "
ابتسم لويس مُخفضًا رأسه لبرهةٍ ثم رفعه قائلًا :
" لقد تغيرت الخطة، علي البقاء هنا "
"ماذا؟! لِمَ! "
تساءلت بعدما التفتت بجسدها مُندهشة
توقف ڤيرنون في طريقه مُلتفتًا إليهما لكنه فضل تركهما مُخفضًا رأسه مُكملًا طريقه؛ يعلم جيدًا أنهما يحبان بعضهما بشدة، كان من المُفترض أن يُقام حفل زفافهما بعد عودته من رحلته الدراسية تلك نظرًا لكونهما مخطوبين لبعضهما، لكن موعد وفاة والدها القريب فرض عليه احترام روحه وعزاء الأخوين فقرر تأجيل الزفاف.
خطى ڤيرنون نحو مركبته وركب فيها مُنتظرًا ش*يقته.
اقترب لويس من ديلابرا مُحتضنًا بكفيه وجهها قائلًا والحب يفيض من عينيه :
" سنلتقي عن قريب، أعدكِ! "
زفرت بتثاقلٍ والدموع باتت تتجمع في عينيها؛ لم تُصدق عودته لتكون بقربه والآن لن يُسافر معها؟!
شد لويس على وجهها بنعومةٍ قائلًا بحزم :
" لا تبكي! إياكِ وفعل ذلك! "
" لكن..! "
قالت بهمسٍ تخلل اعماقه حزنها
قاطعها قائلًا :
" اصبري قليلًا بعد، اعلم أن ذهابكِ الى هُناك لأمرٌ جلل، لكنك ستتحملينه، سنجد حلًا لهذا الوضع حسنًا؟ "
زفرت بضيقٍ ثم اومأت بنعم؛ لا من شيء أمامها سوى الخضوع لكلماته.
ابتسم بدفءٍ واقترب منها طابعًا قُبلةً على أرنبتها قائلًا :
" يبدو أنفكِ كثمرةِ كرز أتعلمين؟! "
ضحكت قائلة :
" لا تسخر مني "
ابتسم بحبٍ اكبر، لا يمكن أن يصف وجهها إلا بالجمال المُتكامل، عيناها الكبيرتان بلونهما الأ**د، بياض بشرتها وتناسق أنفها مع شفتيها، نعومة خديها وتلونهما بحُمرةٍ خفيفة، أي جمال تحمله هذه الفاتنة؟!
اوشك أن يُلامس شفتيها بقبلةٍ تُغذي روحه لكنه فجأة شعر بألمٍ مدوي في رأسه، ابتعد عنها على عجلٍ ويديه تمسكان رأسه.
قالت ديلابرا والخوف استوطن نبرتها :
" لويس؟! ما بك؟! لويس! "
صرخت مُنادية باسمه حينما شاهدته يركع أرضًا ويأن لوجعه
جلست بجانبه واحتضنت رأسه الى ص*رها قائلةً لمن حولها من خدمٍ وحُراس بصوتٍ تراجف قلقًا :
" أحضروا طبيبًا في الحال! "
ما إن رأى ڤيرنون ما حل بلويس حتى خرج بسرعةٍ من مركبته وهَمَ راكضًا نحوه، لقد كان بخيرٍ قبل دقائق!
لم يعرف أحد أن دونغهي كان يُراقب ويسمع ما يقوله لويس؛ فبنظرةٍ واحدة ورغبةً عارمة هو سبب له بألمٍ هائلٍ في رأسه، بنظرة تجعل خ**ك يتألم؟! أي قدرةٍ يملكها دونغهي؟!
ابتسم بسخريةٍ حينما شاهدهُ يتألم، رفع نافذة مركبته وتحدث آمرًا :
" لقد تأخرنا، أخبر الامبراطور وش*يقته بركوب مركبتهما بسرعة "
لا يُمكن لأحدٍ العبث بأشياءه، حتى وإن تأخر في الحصول عليها، ما أن وضعها نصب عينيه حتى باتت مُلكه الى الأبد.
---^---
بابٌ حديدي قد فُتِحَت أقفاله ثُم دُفِعَ بخفةٍ وبطءٍ الى الداخل، حارسٌ بهيئةٍ ضخمة قد أبتعد عن الباب ليقف الى الجانب فيدخل جونغوون بطلته الهادئة، يرتدي قميصًا أ**دًا تحت سترةٍ جلدية بُنية وبنطالًا فحمي اللون.
أجال بنظره في أرجاء الغرفة مكعبة الشكل بزواياها التي يشوبها بعض العفن الأبيض.
ثم حول نظره للقابع أمام طاولة حديدية، مُكبل الوثاق ينحني برأسه الى الأمام.
عقد جونغوون حاجبيه انزعاجًا حينما شعر ببرودة الغرفة ولاحظ ملابس الشاب الخفيفة، فتحدث :
" لا يُمكنكم مُعاملته بهذه الطريقة! كان عليكم توفير بعض الثياب الدافئة له، إنه أحد أفراد شعبنا الآن! "
تحدث الحارس بغلاظة صوته :
" كان يصرخ ويتحرك بعشوائية كلما اقتربنا منه "
رمقه جونغوون بعتبٍ ودخل ماشيًا نحو الشاب، بعنايةٍ أبعد ع***ة العينين عنه.
رمش الشاب بعينيه ثوانٍ كي يمنح نفسه رؤيةً أوضح.
اخيرًا فتح عينيه ليرفعهما ببطءٍ مُتفحصًا المكان، غرفةٌ بأطوالٍ متشابهة يُغطيها سواد لونها وظلمة المكان، مصباحٌ بإضاءةٍ بيضاء تدلى من السقف حتى توقف على بعد المترين فوق المنضدة الحديدة التي كانت أمامه، رفع عينيه حينما رغب بالتعرف عمّن فك أسر ناظره.
وجد جونغوون ينظر إليه بهدوءٍ باسمًا، تحدث ببحةِ صوته الوقوره :
" مرحبًا جونغكوك "
" من.. تكون؟! "
همس جونغكوك اخيرًا ببعض الكلمات منذ خروجه من مملكة الشرق
ابتعد عنه جونغوون ليجلس على الطرف المُقابل له بعدما سحب كُرسي يُماثل خاصة جونغكوك.
" انا كيم جونغوون أستاذٌ في الموسيقى "
" اين انا؟! "
تساءل جونغكوك بينما كان يجول بناظره في المكان مُجددًا
" المملكة الثالثة، مملكة المستعصون "
اجابه جونغوون مُراقبًا ردة فعله
أخفض جونغكوك نظره لجونغوون عاقدًا حاجبيه، ما الذي يتحدث عنه؟!
" لم افهم "
" ستفعل بمرور الوقت "
اجابه جونغوون مُبتسمًا
اخفض جونغكوك نظره وحوله الى يمينه، يُراقب الأرض رُبما؟
رفع جونغوون كُمي قميصه الأ**د ومال نحو المنضدة مُتكأ عليها بمرفقيه، ثم شبك أصابعه اليُمنى باليُسرى وأسندهما الى شفتيه، كان يُراقب تفاصيل جونغكوك جيدًا ويحرص على تحليله بدقة.
همس جونغكوك ببعضِ الكلمات التي لم يسمعها جونغوون، فأمال الأخير بجذعه للمنضدة أكثر وتساءل :
" عفوًا لم أستطع سماعك؟! "
" علي الذهاب لمملكة الغرب "
همس جونغكوك بصوت أعلى قليلًا وعيناه لا تزالان تنظر للأرض
ضيق جونغوون عينيه وعقد حاجبيه، تساءل :
" لماذا؟ "
" ستعلم بمرور الوقت "
ختم جونغكوك اجابته وعلى شفتيه ابتسامة جانبية، نظراته كانت حادة ومُريبة لجونغوون.
عاد بظهره الى الخلف مُتكأ حيث كُرسيه، قد خرج من نطاق الضوء وبات في نطاق الضل، عيناه تلمعان بطريقةٍ وترت جونغوون قليلًا.
زفر الاخير مطولًا ثم ابتسم، رفع حاجبيه قائلًا :
" انت تعلم أنك تعبث مع الأشخاص الخطأ، صحيح؟ "
قهقه جونغكوك بخفةٍ ثم تحدث :
" سنعلم بمرور الوقت من يعبث مع من صديقي "
اومأ جونغوون بخفةٍ ثم نهض تاركًا جونغكوك خلفه، عينّا الأخير راقبتاه وهو يخرج ثم تبعه الحارس فأغلق الباب بعده.
أنفاسه هادئةً عميقةً ومسموعة، عيناه بحدةٍ مُخيفة تُراقبان الباب وكأنه ينوي اختراقه بنظراته.
جونغكوك لم يكن جونغكوك هذه المرة.
--نهاية الفصل--