إتسعت عيناهُ بصدمة وهو يرى شحوبها بطريقة مُخيفة قبل ان تشهق بعُمق وكأن الاكُسجين قد سُحِب من رئتيها .. وضعت يديها على ص*رها في مُحاولة لتنظيم انفاسها القليلة .. تساقطت دموعها بضعف و كادت تتهاوى الى الارض ولكن يديه القوية امسكت بها في مزيجٍ من المشاعِر المُتضارِبة والتي يأخُذُ الخوف منها نصيبه الأكبر .. إرتعشت اوصالهُ قلقاً ليحمِلها برُعب ويُجلِسها على احد المقاعد بجانب الطريق واخذت يداهُ تتحسسُ وجهها بقلق وإستطاع الهمس بتلعثُم " تنفسي صغيرتي .. هيا .. انتِ بخير .. "
اغلقت قمر عينيها بوهن و اشارت الى حقيبتها ليفتحها مازن و يُسرِع بأخذ جِهاز الربو وتقريبه من فمِها لتستنشِق هوائهُ المُصطنع بإرتِجاف .. اسندها الى ص*ره عندما بدأ جسدها بالإرتِخاء ليخفِق قلبهُ بجنون الى ان شعر بطنين نبضاته يقرعُ بأُذنيه بحدّة ليزفِر بعُمق عندما بدأ تنفسها بالانتظام ولكن ما زالت دموعها تتساقط على صفحة خدها الاسيل و شهقات طفيفة تخرج من بين شفتيها .
دوماً ما كانت تصاب بالذعر بعد نوبات الربو اللعينة ، التي تجعلها في كل مرة عُرضةً للموت .. وما زادها حُزناً انها وحيدة في هذه المدينة الكبيرة .. فلا يوجد في كُلّ هذا الزِحام الدفء الذي ترغب .
تطلّع اليها بعُمق مُتشرِباً ملامِحا المُتعبة ليعبِس شاعِراً بألمٍ مريرٍ يجتاحُ قلبهُ و يحتضِنها برفق ليُمرِر يدهُ على ظهرِها صعوداً وهبوطاً علّه يخفف من خوفها ومن خوفه . بعد مُدّة من الزمن هدأت تماماً وشعرت بأمانٍ لم تعهدهُ مِن قبل وكأنها ببيتها ووسط من تُحِب ، وكأنّ خيوطاً خفية تربِطها بهذا المكان بجانب ذلك القلب النابض بعُنف.
انتفضت فجأة وادركت وضعها ، انها الان بحضن غريب و هي التي لم تقرب رجلا من قبل . إهتزّت حدقتيها بذهول و همست ببكاء " من انت ؟ .. " وقبل ان يُجيب كانت قد تذكرتهُ لتهِف بشراسة بالرغم من دموعها " أتلاحقني يا هذا ؟! "
وجه اليها احدى نظراته اللعوبة وتحدث كاذِباً "لماذا اُلاحِقكِ ، انا فقط اردت ُالمساعدة " .
قضمت شفتيها بتوتر ومسحت على جبينها المُتعرِق وهمست بحدة " اشكُرك على المُساعدة .. " حملت حقيبتها و همّت بالذهاب ولكن يدهُ امسكت بمِع**ِها وهمس بنبرةٍ حنونة " انتِ متعبة دعيني اوصلكِ "
نزعت يدها منه بعنف وتحدثت ببطء " قلت لك شكراً .. لا اُريد مساعدة "
نبض قلبها بعُنف و يداً قذِرة توضعُ على خصرها و انفاساً حارّة الهبت عُنقها لتغمِض عيناها سامِحة لدمعةً مُثقلة بذكرى سوداء تتسرّبُ من مِحجريها .. لينحني مازِن هامِساً بجانب اذنها بضحكة " لماذا انتِ عنيدة لهذه الدرجة ؟"
تحوّلت إبتسامتهُ لذهول و يدها تحُطّ على خدّه بصفعةٍ قاسِية قبل ان تمسح غيم الدمع من وجنتيها و تهمِسُ بإرتِجاف " حقير .. " تسمّر بمكانه وعيناهُ تحترِقُ من الغضب وهو يلمحها ترنوا بعيداً لتُسيطر عليه ملامح البلاهة والدهشة ؛ اشهر رِجال الاعمال بالبلاد يُصفع ؟! ومن نادلة فقيرة ! .. هتف بجنون " ايتُها الغجرية اللعينة .. "
مسح على وجهه بحدّة و توجّه الى سيارته مُمشِطاً الطُرُقات بسُرعةٍ عالية شاتِماً بكُلّ الالفاظ التي يعرفها .. الى ان وصل اخيراً للبحر ليترجّل جالِساً على الشاطئ الرمليّ المُظلِم ، يُغمِض عينيه مُتذكِراً نظرة عينيها التي لم يستطِع تفسيرها ليشعُر بحنقٍ عظيم تجاه تصرُفه ، فذات العينان الساحِرتان مُختلِفة عن ايّ فتاة مرّت بحياته .
هي بريئة و صافية و حزينة بطريقة مؤلِمة .. والادهى انها فعلت ما لم يفعلهُ احدٌ من قبل - لقد رفضتهُ و صفعتهُ - غير مُدرِكة انّ من نعتتهُ بالحقير يستطيعُ تشريدها في الشوارع اذا اراد .. تلك الجميلة التي لا يتوقّف قلبهُ عن الرقص كُلّ ما لمحها .. هي اجمل ما رأت عينيه بلا شك .
اغمض عينيه ومشاعِراً غريبة تعبثُ بكيانه ليهمِس بشرود " القلب ينبضُ مرةًواحدة ونبضاته لا تكذب ابداً .. "
.
.
صوت نحيبها يشِقّ ال**ت المُخيّم على غُرفتها الصغيرة .. ينسابُ شعرها على حواف سريرها و شلال مالح يجري على وجنتيها .. تلتحِفُ بغِطاءٍ سميك تُحكِمهُ حول جسدها وكأنها تختبئ من مجهول .. كُلّ ما تريدهُ الان هو ان تبتعد او بالأصح ان تهرب من قدرها المجهول تريد الاختلاء في عالمها الذي لا يسكنه سواها كما كانت في الماضي .. ينبضُ قلبها بوتيرته المنتظمة ، لا تريد تلك المعزوفة السريعة على قلبها مُنذُ ان لمحته .
ذلك الفتى الغنيّ الوقِح الذي لم يترُكها منذ ان رآها للمرّة الاولى .. وذلك الصخب الذي يكاد يودي بقلبها لم تشعُر به سوى في وجوده .. يأتي كُلّ يومٍ ليحرِق وجهها بعيناهُ وبالرغم من إنعِدام الحديث بينهُما الاّ انّ وجودهُ يوتِرها بطريقة غريبة تُضعِفُ قلبها .
ظلت خائفة من هذه اللحظة التي ي**قُ احدهم دقات قلبها .. إتسعت عيناها بألم وإزداد نحيبها لتهمِس من بين شهقاتها المُعذّبة " يا الهي رُدّ قلبي الذي اخذه عنوة ... رُدّه يا الله " .
بكت يومها كما لم تبكِ من قبل وذكريات مأساوية تعصِفُ بروحها لتُمزِقها بلا رحمة لمُجرد التفكير بوجود الأمان بجانب ذلك الوقِح .. وفي اللحظة التي تمنّت فيها سابِقاً ان تحظى بفارِسٍ يحمِلها على غيوم الاحلام ها هي الان تترجّى الله ان يُبعِدهُ عنها .. فمِثلها لن يستطع ال**ود امام عواصِف الحُبّ الهوجاء .. لأنها ستغرقُ بالتأكيد .
.
.
دلف الى المشغل البسيط بحضوره المهيب ووجاهته المعهودة التى تجذب النساء كالمغنطيس .. يمشي بخطواتٍ واثقة ومعتدلة وكأنهُ بأحد عروض الازياء .. تشهق العاملات بهيام و تتهامسنّ على وسامته
لتزحف ابتسامة غرور الى شفتيه .. فهو معتاد على هذه النظرات .. وطالما يستخِفّ بها .
وصل الى المكتب الصغير القابع بالركن الايسر للمشغل الذي يحتوى على صالة كبيرة بها عدد معقول من ماكينات الخياطة التي تستعمِلها العامِلات القرويات في صِناعة الثِياب المحلّية .
دخل بعد سماعه الاذن بالدخول ليتأمّل السيدة التي بدت لهُ اصغر بكثير من عُمرها الحقيقي الذي يعلمهُ مُسبقاً .. كانت ترتدي فُستاناً محليّاً باللون الاصفر به الكثير من الورود الصغيرة بألوان مُختلفة إضافةً للوِشاح الاصفر الصغير الذي يلتفّ حول شعرها الاشقر الاملس . إبتسمت نور بدهشة عندما مد يده مُعرِفاً عن نفسه "حسام انور عز الدين " صافحته نور بإبتسامة هادئة قائلة " غني عن التعريف سيد حسام ، تفضل "
بعد دقائق كان قد إرتشف قهوته ليعتدل متحدثا بجدية " من غير مقدمات ارغب بعقد صفقة بيننا " اومأت نور بإستفهام فواصل حديثه قائلا "اعلم انكم هنا تقومون بصناعة الثياب التقليدية بجودة عالية لذا سأزودكِ بكافة انواع الاقمشة مقابل الصنع بكمية كبيرة للقرى المجاورة ، والربح بالتساوي نصف لي والاخر لكِ "
ابتسمت نور بتوتر و تسائلت بوضوح قائلة " لما اخترت هذه القرية دوناً عن غيرها ؟ و ايضاً هُناك الكثير من شركات الازياء بالبلاد وهذا مجرد مشغل بسيط لصناعة الثياب للقرية ؟ فلِما يتجِه رجُل اعمال بشُهرتك لهذا النوع من الإستِثمار ؟ "
إبتسم حُسام بدهشة سُرعان ما إختفت من ملامحهُ ليتحدّث بجديّة قائلاً " سيادتكِ قُلتيها - إستِثمار - اي انّ الهدف الاساسي منه هو الرِبح و اظُنّ انّ التحكُم بصناعة الثِياب المحلّية سيكون مُربِحاً خاصّة وانّ الموضوع لم يُفكِر به احدٌ من قبل فبالتأكيد سأستطيع السيطرة على الاسواق المحليّة بسهولة .
اما بالنِسبة لإختِياري لهذه القرية بالذات فقد بحثت عن افضل الثياب التقليدية جودة و ارغبُ بصناعة محليّة كما في القرى وليس دور الازياء .. وقد علِمتُ انكِ من افضل من يقومون بصناعة الثياب التقليدية .. واظُنّ انها ستكون صفقة رابِحة لكِلينا فأنتِ كما علِمت تُعيلين اُسرتكِ بعد وفاة زوجكِ وبالتأكيد هذا المشغل المتواضِع لن يستطيع سدّ حاجتكِ على المُستقبل البعيد .. " **ت مُتفرِساً بملامِحها بهدوءه المُعتاد و اضاف بعد نهوضه " على العموم سوف اظل بالقرية لمدة اسبوع .. وسأسعدُ بقبولكِ للصفقة وتوقيع العقد قبل مغادرتي .. تشرفّنا سيدّتي .. "
ذهب وتتركها في دوامة من الاسئلة فهذة الصفقة سوف تُغير حياتها .. هي بحاجة لتوسيع عملها فالفتيات يكبرن وتتزايد احتياجاتهن .. ولكن ثمة قلق يخالج فؤادها لا تعلم مص*ره . لابد ان تفكر برويه فهكذا فرص تأتي مرة واحدة بالعمر .
.
.
مساءاً .. خرج حُسام للتجول في القرية التي سحرتهُ بجمالها فرغِب بإستِكشاف شوارِعها .. كان الجوُ بارداً بعض الشيء وثمة رائحة منعشة دالّة على هطول امطار في القرى المجاورة مما جعلهُ مُناسِباً لِلتنزُه .. ابتسم بشرود سُرعان ما تحوّل لضحكة مُنخفِضة وهو يتذكّر موقِف فتاة المدرسة .. تلك الوقِحة جميلة للغاية .
قهقه مُتخيلاً رأي مازِن بها .. بالتأكيد سيُغرم بها من اوّل نظرة .. فلديها وجه جميل به قسمات البراءة كزهرة لم تتفتح بعد .. وعيناها الزرقاء ماكِرة جدّاً فتبدو حينا بحراً هائجاً وحيناً سماءاً صافية .. يُحيطُ بعينيها حاجِبان كثيفان كالهلال في الليلة الرابعة .. وانفها صغير يتناسب مع حجم وجهها .. شفتيها على شكل القلب .. صغيرتان بِحُمرةٍ دامية وبالرغم من إمتِلائهُما الاّ انّهُما يمنحانها شكلاً طفوليّاً بحت . لون بشرتها الناعِمة كلون ورد الفُلّ .. بيضاء ناصِعة يشوبها تورُدٌ عندما تغضب .. اما شعرها الغجريّ الثائر فلهُ آلاف الحكايات .
اغمض عينيه مُستنشِقاً عبيراً ما زال عالِقٌ بتلابيب ذاكرته وهو يتذكّر شكل شعرها المُنثور حولها بفوضوية .. شعراً بلون القهوة العربيّة و برائحة امواج البحر .. طويلاً جدّاً كنهر النيل .. ناعِماً كملمس الزُجاح .. وكأنهُ بحدّ ذاته زُجاجاً يجرحُ كُلّ من يلمحهُ .
وقف فجأةً يرى اين ساقته قدماه فوجدها امامه كالحُلم .. ترتدي تنورةً قرويّةً قصيرة زهرية وقميص بلون السماء . وشعرها يتمايل بغرور مُتجاوِزاً تنورتها . ينع** ضوء القمر عليها جاعِلاً منها لوحةً فنيةً ابدعها الخالق .. تبدو كفراشة بين الورود .. كانت تتحدث للورود محركة يديها مُبتسِمة بمرح كأن الورد يسمعها فرّت من بين شفتيه ابتسامة تسلية وهو يختلسُ النظر اليها الى ان لمحتهُ فتبدلت ملامحها للغضب وهتفت حانِقة "ماذا تفعل هنا ؟! "
اتسعت ابتسامته التي تبغضها وانحنى اليها قائلا " انتِ ماذا تفعلي هنا ؟ انها مواعيد النوم يا صغيرة " إنفجرت صارِخة " انا اكرهُ المتطفلين .. من الافضل ان تبتعد عن طريقي كي لا اريك غضبي"
قهقه هامساً بمرح " اريني غضبكِ صغيرتي "
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
..
...
ما حكاية قمر ؟؟
ما هي ردة فعل عناد ؟؟
هل ستقبل نور بعقد الصفقة؟؟؟
والكثير في الاجزاء القادمة ..
اذا حازت على اعجابكم بلييز فووت وكومنت..
مع حبي ???
.
.
.
..
...
فايا